وقال الحافظ ابن حجر: "لم يرِد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة"اهـ (1).
والجُمُعَةِ ...........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والجُمُعَةِ) أي: يُكرَه إفراد يوم الجمعة بالصوم، لأنه هو العيد الأسبوعي للمسلمين، فَكُرِهَ الصيام تشبيهاً له بالعيد الحقيقي، ولسدِّ ذريعة اعتقاد وجوب صيامه إذا خُصَّ به وداوم الإنسان عليه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا يجوز صومه" (2).
لكن إن صام يوماً قبله، أو يوماً بعده زالت الكراهة، وقد ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يَصُومُ أحَدُكُم يَومَ الجُمُعَةِ إِلا يَومَاً قَبْلَهُ أَو بَعْدَهُ» (3).
وعن محمد بن عَبَّاد بن جعفر قال: «سَأَلتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - وَهُوَ يَطُوفُ بِالبَيتِ: أَنَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ صِيَامِ يَومِ الجُمُعَةِ؟ فَقَال: نَعَمْ»، وفي رواية: «وَرَبِّ هَذَا البَيتِ» (4)، وإنما أكد جابر - رضي الله عنه - هذه الإجابة، لأنه قد يُستغرب النهي عن صيامه، لكونه أفضل الأيام، إلا أنه عند التأمل تتبين الحكمة، وهي أنه عيد الأسبوع، كما تقدم، فإن وافق عادة للإنسان صَحَّ إفراده بالصوم، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَخُصُّوا ليلةَ الجُمُعَة بِقِيَامٍ مِنْ بَين الليَالي , وَلا تَخُصُّوا يَوم الجُمُعَة بِصِيَامٍ مِنْ بَين الأَيَّام , إِلا أَنْ يَكُون فِي صَومٍ
والسَّبْتِ ...........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَصُومهُ أَحَدُكُمْ» (5).
قوله: (والسَّبْتِ) أي: ويكره إفراد يوم السبت بالصيام، لحديث: «لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ... » (6)، فإن صام قبله أو بعده
(1) "تبيين العجب" ص (23).
(2) "الإنصاف" (3/ 347).
(3) أخرجه البخاري (1985)، ومسلم (1144).
(4) أخرجه البخاري (1984)، ومسلم (1143).
(5) أخرجه مسلم (1144)، (148).
(6) أخرجه أبو داود (2421)، والترمذي (744)، والنسائي في "الكبرى" (3/ 210)، وابن ماجه (1726)، وأحمد (45/ 7) كلهم من طريق ثور بن زيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالله بن بسر السلمي - رضي الله عنه -، عن أخته الصَّمَّاء به، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وصححه ابن خزيمة (3/ 317)، وابن حبان (8/ 379)، والحاكم (1/ 435)، والألباني في "الإرواء" (4/ 118).
وضعفه آخرون للاضطراب في سنده، ونكارة متنه، ومنهم: الإمام أحمد، ومالك، والنسائي، ويحيى بن سعيد، والطحاوي، والأوزاعي، والزهري، وابن القيم، وابن حجر.
أما الاضطراب في سنده؛ فإن الحديث مداره على الصحابي عبدالله بن بسر - رضي الله عنه -، وقد اضطرب الرواة عنه فيه، فتارة روي عنه، عن أخته، كما هنا، وتارة عن عبدالله بن بسر، عن عمته، كما عند ابن خزيمة (2164)، والنسائي (3/ 211)، والبيهقي (4/ 302)، وتارة عن خالته الصماء، كما عند النسائي (3/ 212)، وتارة عن عبدالله بن بسر، عن أمه، كما في "الفوائد" لتمام الرازي (1/ 267 - 268)، وتارة عن عبدالله بن بسر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما عند النسائي، وابن ماجه، وأحمد (29/ 230)، وجاء -أيضاً- عن عبدالله بن بسر، عن أخته الصماء، عن عائشة به، فصار من مسند عائشة {، كما عند النسائي.
ولهذا ضعف العلماء هذا الحديث، فضعفه الإمام مالك، فنقل عنه أبو داود (2/ 321) أنه قال: "هذا كذب"، ونقل -أيضاً- عن الزهري أنه قال: "هذا حديث حمصي"، ونقله عنه الطحاوي في "شرح المعاني" (2/ 81) ومعناه: أنه تفرد به أهل حمص، وهذا يقتضي تضعيفه عنده. ... =
= ... ونقل أبو داود عن الأوزاعي أنه قال: "ما زلت كاتماً له حتى رأيته انتشر"، وضعفه الإمام النسائي، فإنه قال بعد هذا الحديث وطرقه: "هذه أحاديث مضطربة"، نقله عنه المنذري في "مختصر السنن" (2/ 300)، كما ضعفه الطحاوي، ووصفه بأنه شاذ، وضعفه ابن القيم، فقال: "وهذا يدل على أن الحديث غير محفوظ، وأنه شاذ"، وكذا ضعفه الحافظ في "التلخيص" (2/ 229).
أما نكارة متنه، فإن ظاهره يدل على النهي عن صوم يوم السبت إلا أن يكون في صيام الفريضة، وهذا يدل على المنع من صيامه ولو كان قبله يوماً أو بعده يوماً، فعارضه أحاديث أصح منه وأشهر، ومنها: حديث جويرية بنت الحارث {المتقدم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أَصُمتِ أمس؟» قالت: لا، قال: «أتُريدِين أن تَصُومِي غَدَا؟ ... » الحديث، فهذا صريح في جواز صيام يوم السبت في غير الفريضة.
ومنها: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المتقدم -أيضاً- «لا يَصُومُ أحَدُكُم يَومَ الجُمُعَةِ إِلا يَومَاً قَبْلَهُ أَو بَعْدَهُ» واليوم الذي بعد الجمعة هو السبت.
ومنها: حديث أبي قتادة - رضي الله عنه - في صيام الست من شوال، فإنها قد يكون منها يوم السبت، وصيامها في غير فريضة.