حول تحقيق كتاب "غرائب شعبة" لابن المظفر.
بقلم: خالد الحايك.
تعيش الأمة الإسلامية حالة من الفوضى الفكرية. وهذه الفوضى لها أشكال كثيرة، ومن هذه الأشكال مسخ كتب التراث التي يقدم على تحقيقها من هم ليسوا بأهل لذلك. وأمثلة ذلك كثيرة لا تُحصى.
ومن هذه الأمثلة ما وقفت عليه مؤخراً، وهو كتاب ((غرائِب شُعبة)) لمحمّدِ بنِ المُظفَرِ.
وهذا الكتاب له أهمية كبيرة عند أهل العلم لما فيه من الغرائب والعلل. وقد حُقق الكتاب تحقيقين مختلفين: الأول: بتحقيق صالح اللحام، نشر الدار العثمانية/الأردن، سنة 1424هـ/2003م، والثاني: بتحقيق: الدكتور حمزة أحمد الزين -المدير العام للمركز الإسلامي لخدمة الكتاب والسنة بمكة، ومدير البحث العلمي بأوقاف دبي سابقاً- نشر دار الحديث/القاهرة، سنة 1424هـ/2004م.
وبعد النظر في كلا التحقيقين وجدت أن المحققين قد مسخا الكتاب، فشمرت عن ساعد الجد والاجتهاد وبدأت بتحقيقه بعد أن حصلت على مخطوطاته وقدمت لذلك بمقدمة بينت فيها بلايا التحقيقين المشار إليهما، ونقضت هذين التحقيقين عند الكلام على كلّ حديث، وضمنت ذلك فوائد كثيرة، منها: بيان كثير مِنَ العِلَلِ وتصحيح عشرات الأخطاء للعلماء السابقين والمحققِين المعاصرين، وكذلك حوى التحقيق قواعد مهمة في الحديث وتراجم نادرة.
والعمل مع هذا الكتاب يحتاج إلى وقت طويل، ونظراً لعدم النفرغ أحببت أن أشير إلى تحقيق اللحام والزين بعبارات مجملة إلى حين الانتهاء من تحقيقه إن شاء الله.
1 - لم يُشر أحدهما إلى الآخر، وأظن أن طبعة الزين متقدمة على طبعة اللحام؛ لأن الزين قد ذكر أنه حقق هذه الرسائل ونشرها في مجلات محكمة ثم قام بطبعها في مجلد واحد، وهو يضم عدة رسائل.
2 - اعتمد كلّ محقق مخطوطة مختلفة عن الأخرى، فاعتمد اللحام على مخطوطة فيض الله بتركيا، واعتمد الزين على مخطوطة الظاهرية بدمشق، وكلاهما قد أخلّ بأهم شرط من شروط تحقيق المخطوطات وهو أول شرط فيه، وهو جمع نسخ المخطوط.
وقد أشار اللحام إلى أن هناك نسخة في الظاهرية ولم يتمكن من الاطلاع عليها، ولكن هذا لا يعفيه من تأخير طبع الكتاب إلى حين الاطلاع عليها!
3 - لم يفهم كلا المحققين هدف ومقصود تصنيف ابن المظفر لهذا الكتاب، فأتيا بطامات على الحديث وأهله!! وسأناقش كلّ منهما على حدة، إن شاء الله أثناء التحقيق.
ومعرفة مقصود المؤلف من التصنيف هو شرط مهم في التحقيق لأن الهدف من التحقيق هو نشر الكتاب كما أراد مؤلفه، وهذا لا يعني فقط ضبط النّص كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم، بل لا بدّ من معرفة هدف ومقصود المؤلف أيضاً لئلا يهدم المحقق هدف الكتاب، ولئلا يأتي بنتائج عكسية على الحديث وأهله!!
فالمقصود بالغرائب هنا: الأحاديث الغريبة التي رُويت عن شعبة ولا تصحّ عنه، وهو فنٌ اعتنى به الأئمة المتأخرون كالدارقطني وابن منده والخطيب وغيرهم، وقد ألف الإمام الدارقطني ((غرائب مالك)) وأخرج فيه الأحاديث الغريبة عن مالك وتكلم عليها، ومنها:
ما رواه: ابن عقدة، عن أحمد بن يزيد الخراساني، عن محمد بن جعفر بن محمد بن زيد، عن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي، عن علي بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: ((المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
قال الدارقطني: "هذا لا يصح عن مالك عن نافع. وأحمد بن يزيد ليس بالمشهور بالرواية ولم يأت به غيره". (لسان الميزان: 1/ 325).
وأخرج تمام الرازي في ((الفوائد)) (2/ 19) قال: حدثني أبو القاسم علي بن محمد الكوفي الحافظ، قال: حدثني أبو بكر محمد بن عمران الهمداني، قال: حدثنا محمد بن العباس بن بسام، قال: حدثنا أحمد بن يزيد الخراساني، قال: حدثنا القعبني، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله عز وجل جعل الحق على لسان عمر وقلبه)).