قلت: وهذا الحديث لم يروه مالك، ولم يحدِّث به القعنبي، تفرد به أحمد بن يزيد الخراساني وهو مجهول.
أولاً: تحقيق صالح اللحام:
1 - ذكر اللحام عنوان الكتاب ((حديث شعبة)) وهذا ليس بصحيح؛ فإن الكتاب اسمه ((غرائب شعبة)) وتسميته واضحة في النسخة الظاهرية التي لم يطلع عليها اللحام، ولو أنه رجع إلى فهرس مخطوطات الظاهرية للشيخ الألباني لوجد أن الشيخ سماه ((غرائب شعبة))، واللحام نفسه قد ذكر (ص16) أن النسائي وابن منده قد صنفا ((غرائب شعبة)).
وهناك فرق كبير بين الاسمين، فالأول يعني أن هذا الجزء هو جزء من الأحاديث التي حدّث بها شعبة -رضي الله عنه-، والثاني عكس ذلك، وهو هدف المصنف من التأليف، وهو يحوي الأحاديث الغريبة التي رُويت عن شعبة! وعدم فهم اللحام لهذا المقصد جعله يأتي بطامّة كبرى ونسبها للإمام شعبة -رحمه الله-، وهي التالية.
2 - قال اللحام (ص5 - 6) أثناء كلامه على طريقته في التخريج: "ثمّ أذكر وقد لا ألتزم هذا: إذا كان الحديث في أحد الصحيحين أو فيهما، ولا أتجاوزهما -إن كان الحديث من طريق شعبة- ففي روايتهما للحديث عن طريق شعبة كفاية في إثبات صحة الحديث. ثمّ أذكر أوجه الخلاف إن وجدت على شعبة، وقد أشير إذا خالف شعبة غيره، أو قُل العكس حيث كان شعبة هو المصيب ... وبعد: فليس غريباً على مثل شعبة بن الحجاج أن يهتم العلماء قديماً بحديثه لصحته، وثقته في الرواية وشدة اعتنائه برواية الحديث ونقد الرواة ... وليس غريباً لكثرة حديثه أن يخطئ، ولا أن ينفرد عن غيره من الحفاظ، وقد انبرى من جمع له ما أخطأ فيه، وما تفرد به عن غيره، وذلك في كثرة مروياته نقطة من اليم".
قلت: هذا كلام باطل لا يصحّ؛ فإن ابن المظفر -رحمه الله- قصد من هذا التأليف أن يبيّن الأحاديث التي أُغربت على شعبة -رحمه الله- وهذا يعني أنها لا يمكن أن توجد في الصحيحين ولن تكون صحيحة كما قال اللحام! نعم قد يكون الحديث رواه شعبة وخرجه صاحبا الصحيحين ولكن ما أورده ابن المظفر هو طريق غريب عن شعبة، ولهذا لا نستطيع أن نقول بأن هذا الحديث صحيح وقد خرجه البخاري ومسلم أو أحدهما.
وكذلك فإن اللحام يرى بأن الأحاديث التي لم يخرجها البخاري ومسلم أو أحدهما فإن بعضها مما خالف فيه شعبة غيره أو هو المصيب فيها، وهو يثبت بذلك أمرين:
الأول: أن هناك أخطاء لشعبة، وليس كذلك! وإنما أوردها ابن المظفر لأنها مما نُسب لشعبة ومعظمها لم يحدِّث بها شعبة -رحمه الله-.
ولا أدري هل يدرك اللحام ما الذي يخرج من رأسه حين ينسب هذه الأخطاء الكثيرة لشعبة، ثم يعتذر عن شعبة ويقول بأن هذا ليس غريباً لكثرة حديثه!! أما علم أن من هو دون شعبة بكثير إذا أخطأ في خمسين حديثاً تركه الأئمة النقاد وطرحوا حديثه!!
ثمّ من هو الذي انبرى لبيان أخطاء شعبة؟! سبحانك هذا بهتانٌ عظيم! نعم، ينفرد شعبة بأحاديث وهي مقبولة منه باتفاق، ولكن لا علاقة لأفراده عن غيره بهذا المؤلَف.
والذي عُرفَ عن شعبة أنه -رحمه الله- كان يخطئ في أسماء الرجال، وله من هذه الأخطاء نحواً من خمسين جمعت بعضها والحمد لله.
ولو أنّ اللحام تنبّه إلى أن أبا نُعيم في ((الحلية)) كان من موارده هذا الكتاب لابن المظفر، لعلم -والله أعلم- أن مقصود ابن المظفر هو ما قلت؛ لأن أبا نُعيم إذا خرّج الحديث من كتاب ابن المظفر، يقول بعد روايته: "غريب من حديث شعبة، تفرد به فلان ... " فهو بهذا الأسلوب يبيّن أن هذا خطأ على شعبة -رحمه الله-، واللحام ينقل عن الحلية ولكن كأن نقله عن طريق ((الكمبيوتر)) دون مراجعة الأصل، والله أعلم!!
وهنا فائدة وهي أن المؤلفات في ((الموارد)) كموارد الخطيب في التاريخ، هي مصنفات مهمة، لا كما يذهب الكثير من الدكاترة بأن لا فائدة فيها! بل فوائدها عظيمة جداً، ومنها: أنها تُعيننا على فهم أهداف المصنفين من كتبهم، وأيضاً تعتبر هذه الأحاديث المنقولة من أمثال كتاب ابن المظفر بمثابة نسخة فرعية من أجل المقابلة بين النسخ.