وقول الطحاوي لا يدلّ بحال من الأحوال على إرادته للمعنى الاصطلاحي للنسخ! وكيف يخفى المعنى الاصطلاحي عليه وقد بنى كثيراً من مسائل كتابه هذا عليه.
وقد تتبعت كتابه هذا فوجدته دائماً يذكر الأحاديث المتعارضة وعندما يذكر النسخ فإنه يأتي بالناسخ والمنسوخ ووقت ذلك إن وجده، وأما حديثنا هذا فهل يدعي الطحاوي النسخ دون أن يأتي بالناسخ أو وقت ذلك؟! وكأن حلبي – وقبله الشيخ الألباني - توهم ذلك فلما وجد أنه ذكر الآية ظنّ أن الطحاوي يرى أن الحديث نُسخ بالآية، وهذا فهم – إن اعتقده – فهو فهمٌ سقيم، ولا يستقيم!!
ذكر الطحاوي: (باب بيان مُشكل ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من نهيه عن الحلف بغير الله تعالى، ومن ما روي عنه من حلفه بغيره تعالى، وما نُسخ من ضده منه)، ثم ساق الأحاديث، ثم قال: "فكان في هذه الآثار الثابتة إباحة ما قد جاء النهي عنه في الأول، فقال قائل من أهل الجهل بوجوه آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا تضاد شديد. فكان جوابنا له في ذلك: أن ذلك لا تضاد فيه، ولكن فيه معنيان مختلفان كان أحدهما في وقت، وكان الآخر في وقت آخر، وكان الآخر منهما ناسخاً للأول منهما، وذلك غير منكر إذ كان كتاب الله تعالى فيه ما قد نسخ غيره مما فيه، ثم طلبنا الناسخ منهما للآخر ما هو؟ فوجدنا صالح بن شعيب بن أبان البصري أخبرنا قال: حدثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن المسعودي، حدثني معبد بن خالد، عن عبدالله بن يسار، عن قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت: أتى حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، فقال: «سبحان الله» قال: إنكم تقولون إذا حلفتم: والكعبة. قال: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، ثم قال: «إنه قد قال لمن حلف فليحلف برب الكعبة». فكان في هذا الحديث ذكر سبب النهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله تعالى، وكان في ذلك ما قد دلّ على أن المتأخر من المعنيين المختلفين اللذين ذكرناهما في هذا الباب هو النهي عن الحلف بغير الله تعالى لا الإباحة له فبان بحمد الله بما ذكرنا خلاف ما توهم هذا الجاهل، والله نسأله التوفيق".
قلت: وبعد هذا: أيُقال إن الطحاوي زعم النسخ؟! وأقول كما قال: "فبان بحمد الله بما ذكرنا خلاف ما توهم هذا الجاهل، والله نسأله التوفيق".
خامساً: أن الحديث مضطرب:
قال حلبي: "الشبهة الرابعة: أن الحديث مضطرب!!
قلت: وهذه دعوى جريئةٌ باطلةٌ، يُنكرها أهل العلم بالأسانيد والأخبار! وهاك ما قد يخطر ببال المنكر المعترض مورد الشبهة في إثبات دعواه:
الأول: أن الحديث رُوي مرفوعاً وموقوفاً كلاهما عن حذيفة، فهذا يردّ الرواية؟!
قلت: تقدَّم فيما مضى أنَّ الذين رَوَوْه مرفوعاً ثلاثة، والذي رواه موقوفاً واحدٌ فقط، وهو عبدالرزاق، عن ابن عيينة به موقوفاً ...
وخبر عبدالرزاق – وقد تفرّد به – لا يُعارض خبر الثلاثة الثقات الذين جزموا برفعه.
هذا وَجهٌ.
ووجهٌ آخر وهو أن الرفع زيادةٌ على الوقف، وهو من ثقات فيجب قبوله.
قال النووي في رسالته ((ما تمسُّ إليه حاجة القاري لصحيح الإمام البخاري)) (ص 71 - بتحقيقي): ((إذا روى بعضُ الثقات الحديثَ متصلاً وبعضهم مرسلاً، أو بعضهم مرفوعاً وبعضهم موقوفاً، أو وصله هو، أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذي عليه الفقهاء وأهل الأصول، ومحققو المحدّثين أنه يحكم بالوصل والرفع؛ لأنه زيادة ثقة)).
الاعتراض الثاني: أن الاضطراب واقعٌ فيما رواه حذيفة نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!
1 - فمرة روى مرفوعاً: ((كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح)).
2 - ومرة روى: ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)).
3 - ومرة شكَّ، فزاد: ((أو في مسجد جامع)).