تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلتُ: فهؤلاء أربعةٌ (هشامُ بنُ عمَّار، ومحمدُ بنُ الفرج، ومحمودُ بنُ آدم، وسعيدُ بنُ منصورٍ) رووه عن سفيان مرفوعاً.

وخالفهم ثلاثةٌ (عبدُالرزاق، وسعيدُ بنُ عبدِالرحمن، ومحمدُ بن أبي عمر) فرووه عن سفيان موقوفاً.

وقد ذهب بعض أهل العلم المعاصرين [7] إلى ترجيح رواية عبدالرزاق ومن معه على رواية من رفعوه؛ لأنَّ عبدالرزاق أثبت منهم.

وهذه طريقةٌ حسنةٌ، لكن يُشكل عليها أن الذين رفعوه ثقات أيضاً!

والذي أراه أن رواية هشام بن عمار ليس لها أصل، وقد رواها عنه محمّد بن سنان الشَّيْزَريّ، قال الذهبي: "صاحب مناكير، يُتأنَّى فيه" [8].

قلت: له تفردات عن الشَّاميين بروايات مشهورة! ومنها ما رواه الطبراني في ((المعجم الصغير)) [9] عنه عن عبدِالوهاب بن نَجدة الحُوطيِّ، قال: حدَّثنا الوليدُ ابنُ مُسلمٍ، عن الأَوزاعيِّ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قالَ: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ أيامٍ العملُ فيهنَّ أفضلُ مِن عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ, قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلا مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ)).

قال الطبرانيُّ: "لَمْ يَروهِ عن الأَوزاعيِّ إلا الوليدُ، ولا عنهُ إلا الحُوطيّ، تفرد به محمدُ بنُ سِنانٍ".

قُلتُ: إِنَّ مثله لا يُقبل تفرده عن هشام بن عمار، وما أظنّ هشاماً حدّث به! ولو صحّت روايته له، فهو فيه كلام أيضاً، وكان قد تغيّر، وكلّ ما دُفع إليه قرأه، وكلّ ما لُقِّن تلقّن، وحديثه القديم أصح؛ حيث كان يقرأ من كتابه كما قال أبو حاتم الرازي [10].

وبهذا يتحصّل لنا ثلاثة من الرواة الثقات (محمد بن الفرج ومحمود بن آدم المروزي وسعيد بن منصور) رفعوه، مقابل ثلاثة أيضاً من الثقات (عبدالرزاق وسعيد بن عبدالرحمن ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني) وقفوه.

وقد ذهب الشيخ سليمان العلوان إلى تضعيف رواية محمد بن الفرج؛ لأن الراوي عنه: العبّاس بن أحمد الوشّاء، وهو رجلٌ صالحٌ، وكان من الدارسين للقرآن [11]، وقال إِن كلام الخطيب هذا يرفع عنه جهالة العين فقط، ولا ترفع عنه جهالة الحال.

قلت: وهذا فيه نَظرٌ! فهو صدوقٌ إن شاء الله، ولحديثه أَصلٌ صحيحٌ.

وأما رواية محمود بن آدم المروزي فرواها عنه: محمد بن حمدويه وهو ثقة، وكان آخر من روى عنه. ومن أجل هذا صحح روايته الذهبي.

وقد قال الشيخ العلوان إِن البخاري لم يخرج لمحمود بن آدم، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فمالَ إلى تضعيف روايته!

قلت: وهذا مردود؛ فالبخاري لم يُخرِّج له؛ لأنه من أقرانه فلم يَحْتَجْ إلى حديثه، وهو ثقة ثبت، ولم يتفرد ابن حبان بتوثيقه، بل قال ابن أبي حاتم: "وكان ثقة صدوقاً" [12].

وأما رواية سعيد بن منصور فقد ردّها ابنُ حَزْمٍ، فقال: "قلنا: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشك، ولو أنه عليه السلام قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة لحفظه الله تعالى علينا، ولم يدخل فيه شكاً، فصح يقيناً أنه عليه السلام لم يقله قط" [13].

قلت: ليس هكذا تُرد الأحاديث! والشك ليس من حذيفة، وإنما هو إما من سعيد بن منصور، أو من شيخه سفيان.

وسعيد بن منصور من الثقات الأثبات، وهو رَاوية سفيان بن عُيينة، وهو متابعٌ جيّد لروايتي محمد بن الفرج ومحمود بن آدم! وتوهيمُهُ في هذا الحديث مدفوع، وإن قال يعقوب الفسوي في سعيد: "كان إذا رأى في كتابه خطأ لم يرجع عنه" [14].

قلت: قال الحافظُ ابن حجر: "ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به" [15]، فجعل عدم رجوعه عما في كتابه؛ لأنه يثق بما فيه.

وعليه، فإن هؤلاء الستة الثقات اختلفوا على ابن عيينة، فنصفهم رفعه، ونصفهم وقفه، وهذا يعني أن سفيان بن عيينة هو الذي حدّث به هكذا وهكذا.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢١٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢١٠٢