تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ لَا أَبَا لَكَا.

فِي أَشْبَاهٍ لِهَذَا مِنْ كَلَامِ الْجُهَّالِ، وَمَنْ لَمْ يُقَوِّمْهُ ثِقَافُ تَأْدِيبِ الشَّرِيعَةِ وَالْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ. فَقَلَّمَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ جَاهِلٍ يَجِبُ تَعْلِيمُهُ وَزَجْرُهُ وَالْإِغْلَاظُ لَهُ عَنِ الْعَوْدَةِ إِلَى مِثْلِهِ.

قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَابِيُّ: "وَهَذَا تَهَوُّرٌ مِنَ الْقَوْلِ. وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ".

وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَوْنِ بنِ عَبْدِاللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: «لِيُعَظِّمْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ في كل شيء. حتى لا يَقُولَ. أَخْزَى اللَّهُ الْكَلْبَ. وَفَعَلَ بِهِ كَذَا وكذا».

وَكَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ مَشَايِخِنَا قَلَّمَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا فِيمَا يَتَّصِلُ بِطَاعَتِهِ.

وَكَانَ يَقُولُ لِلْإِنْسَانِ: جُزِيتَ خَيْرًا. وَقَلَّمَا يَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. إِعْظَامًا لِاسْمِهِ تَعَالَى أَنْ يُمْتَهَنَ فِي غَيْرِ قُرْبَةٍ.

وَحَدَّثَنَا الثِّقَةُ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ كَانَ يَعِيبُ على أَهْلِ الْكَلَامِ كَثْرَةَ خَوْضِهِمْ فِيهِ تَعَالَى وَفِي ذِكْرِ صِفَاتِهِ إِجْلَالًا لِاسْمِهِ تَعَالَى. وَيَقُولُ: «هَؤُلَاءِ يَتَمَنْدَلُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

وَيُنَزِّلُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ تَنْزِيلَهُ فِي بَابِ سَابِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي فصلناها .. والله الموفق" انتهى كلامه رحمه الله.

قلت: لله درك أيها القاضي بهذا الكلام النفيس. فرحمك الله رحمة واسعة.

اللهم اجعلنا ممن يعظّمون حرماتك ويعظمون صفاتك وأسمائك.

وقد ذكر هذه الحادثة أبو الحسن علي بن عبدالله الجذامي النباهي المالقي الأندلسي (المتوفى: نحو 792 هـ) في كتابه عن تاريخ قضاة الأندلس «المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا»، في ذكر «القَاضِي مُحَمَّد بن زِيَاد اللَّخْمِيّ».

قال: «ومِنْهُم مُحَمَّد بن زِيَاد اللَّخْمِيّ. سمع من مُعَاوِيَة بن صَالح سَمَاعا كثيرا. وَلما احْتضرَ الْفَقِيه يحيى بن يحيى، أسْند وَصيته فِي أَدَاء دين وَبيع مَال إِلَى ابْن زِيَاد؛ وَكَانَ هُوَ القَاضِي يَوْمئِذٍ؛ فَكَانَ وَصِيّه فِي ذَلِك الْوَجْه خَاصَّة. قَالَ ابْن حَارِث: وَكَانَ السَّبَب فِي عَزله عَن الْقَضَاء مَا كَانَ من أَمر ابْن أخي عجب حظية الْأَمِير الحكم. وَذَلِكَ أَنه شهد عَلَيْهِ بِلَفْظ نطق بِهِ عابثاً فِي يَوْم غيث. فَأمر الْأَمِير عبدالرَّحْمَن بحبسه، وَطلب الشَّهَادَات عَلَيْهِ. وأبرمته عجب عمته فِي إِطْلَاقه؛ وَكَانَت مدلة عَلَيْهِ لمكانها من أَبِيه. فَقَالَ لَهَا: مهلا يَا أُمَّاهُ، فَلَا بُد، وَالله من أَن نكشف أهل الْعلم عَمَّا يجب عَلَيْهِ فِي لَفظه ذَلِك الَّذِي شهد بِهِ عَلَيْهِ؛ ثمَّ يكون الْفَصْل بعد فِي أمره. فَإنَّا، معشر بني مَرْوَان، لَا تأخذنا فِي الله لومة لائم، وَمَا نرى أَن الله رفع ملكنا، وَجمع بِهَذِهِ الجزيرة فلنا، وَأَعْلَى فِيهَا ذكرنَا، حَتَّى صرنا شجى فِي حلق عدونا، إِلَّا بِإِقَامَة حُدُوده، وإعزاز دينه، وَجِهَاد عدوه، مَعَ مجانبة الْأَهْوَاء المضلة، والبدع المردية. ثمَّ تقدم الْأَمِير عبدالرَّحْمَن إِلَى مُحَمَّد بن السَّلِيم الْحَاجِب أَن يحضر القَاضِي مُحَمَّد بن زِيَاد، وَالْفُقَهَاء بِالْبَلَدِ. فَجَمعهُمْ، وَفِيهِمْ عبدالْملك بن حبيب، وَأصبغ بن خَلِيل، وَعبدالْأَعْلَى بن وهب، وَأَبُو زيد بن إِبْرَاهِيم، وَأَبَان ابْن عِيسَى بن دِينَار. فشاورهم فِي أَمر ابْن أخي عجب، وَأخْبرهمْ بِمَا كَانَ من لَفظه. فتوقف القَاضِي مُحَمَّد بن زِيَاد على القَوْل بسفك دَمه. وَتَبعهُ فِي ذَلِك من الْفُقَهَاء أَبُو زيد وَعبدالْأَعْلَى وَأَبَان. وَأفْتى بقتْله عبدالْملك بن حبيب، وَأصبغ بن خَلِيل مَعًا. فَأَمرهمْ مُحَمَّد بن سليم أَن ينصوا فتواهم على وجوهها فِي صك، ليرفعها إِلَى الْأَمِير، ليرى فِيهَا رَأْيه. وفعلوا. فَلَمَّا تصفح الْأَمِير أَقْوَالهم، اسْتحْسنَ قَول ابْن حبيب وَأصبغ، وَرَأى مَا رَأيا من قَتله. وَأمر الْفَتى حسانا؛ فَخرج إِلَيْهِم؛ فَقَالَ لِابْنِ السَّلِيم: قد قهم الْأَمِير مَا أفتى بِهِ الْقَوْم من أَمر هَذَا الْفَاسِق. وَهُوَ يَقُول لَك: أَيهَا القَاضِي "اذْهَبْ؛ فقد عزلناك. وَأما أَنْت، يَا عبدالْأَعْلَى" فقد كَانَ يحيى يشْهد عَلَيْك بالزندقة؛ وَمن كَانَت هَذِه حَاله، فحرى أَلا تسمع فتواه "وَأما أَنْت، يَا أبان بن عِيسَى" فَإنَّا أردنَا أَن نوليك قَضَاء جيان؛ فَزَعَمت أَنَّك لَا تحسن الْقَضَاء. فَإِن كنت صَادِقا، فَعَلَيْك أَن تتعلم؛ وَإِن كنت كَاذِبًا، فالكاذب لَا يكون أَمينا مفتياً، ثمَّ قَالَ حسان لصَاحب الْمَدِينَة: يَأْمُرك الْأَمِير أَن تخرج الْآن مَعَ هذَيْن الشخصين عبدالْملك وَأصبغ؛ فتأمر لَهما بِأَرْبَعِينَ من الغلمان ينفذون لَهما فِي هَذَا الْفَاسِق مَا رأياه، ثمَّ أخرج الْمَحْبُوس، ووقفا مَعًا حَتَّى رفع فَوق خَشَبَة، وَهُوَ يَقُول لعبدالْملك: "يَا أَبَا مَرْوَان، اتَّقوا الله عز وَجل فِي دمي، فَإِنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله"، وَعبدالْملك يَقُول: الْآن وَقد عصيت! حَتَّى طعن. وانصرفا».

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٠١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٠١٠