وقال ابن القيم في مقدمة «هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى»: "والسيف إنما جاء منفذاً للحجة، مقوماً للمعاند، وحداً للجاحد، قال تعالى: ﴿لَقَد أَرسَلنا رُسُلَنَا بِالبَيناتِ وَأَنزَلنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالميزانَ لِيَقومَ الناسَ بِالقِسط، وَأَنزَلنا الحَديدَ فيه بأَسٌ شَديد وَمنافِعُ لِلناس، وَلِيعلَمَ اللَهُ مَن يَنصُرَهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيب إِنّ اللَه قَوي عَزيز﴾، فدين الإسلام قام بالكتاب الهادي ونفذه السيف الماضي:
فَما هُوَ إِلاّ الوَحيُ أَوحَدَ مُرهَف ... يُقيمُ ضُباهُ أَخدَعي كُلُ مائِلٍ
فَهَذا شِفاءُ الداءِ مِن كُلِ عاقِلٍ ... وَهَذا دواءُ الداءِ مِن كُلِ جاهِلِ".
وقال في «أحكام أهل الذمة»: "فبالسيف الناصر والكتاب الهادي عز الإسلام وظهر في مشارق الأرض ومغاربها. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسلَنا بالبَينَات وَأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ الناسُ بِالقِسْطِ، وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بأس شَديد﴾، وهو قضيب الأدب. وفي صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتبَ المتقدمة: «بيده قضيب الأدب»، فبعث اللّه رسوله ليقهر به أعداءه ومن خالف أمره.
فالسيف من أعظم ما يعتمد في الحرب عليه ويرهب به العدو، وبه ينصر الدّين، ويذل اللّه الكافرين".
وقال عبدالرحمن بن يوسف الرحمة في كتابه «المستطاب في أسباب نجاح دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب»: "ومعلوم أن الحق لا بدّ له من قوة تنصره وتنفذه وله أثر عظيم بالغ في قمع المعارضين، وإسكات المخالفين، وإرجاع المعاندين، ولقد صدق الله العظيم في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25].
واستمرت تلك المسيرة المباركة من أئمة الدعوة من آل الشيخ وغيرهم - رحم الله أمواتهم - وينصرها ويمدها بالخير والعطاء أنصار الدعوة من آل سعود، حتى التزم الناس بالطاعة، ودخلوا في دين الله، وانتشر الخير، وقل الشر، وبانت للإصلاح معالم خير وهدى، واجتثت الشرور والمنكرات وغيرت مواطن الفساد، والحق في نمو وازدهار، وسعة وانتشار، حتى تأثر بالدعوة الجم الغفير في كثير من البلاد والأمصار، وساد الأمن في القرى والطرق والبوادي، وكان لطلاب الشيخ - رحمه الله - ومناصرين اليد الطولى في وصول الحق إلى أغلب البلاد، وتأثر الناس بالدعوة إلى التوحيد، وتركوا ما هم عليه من الشرك والتنديد، وهدمت المشاهد والقبور، وعمرت المساجد وحلقات العلم والإيمان، وحكمت الشريعة، ودانوا بها تحاكماً وتحكيماً، وتركوا ما كانوا عليه من تحكيم سواليف الآباء والأجداد وقوانينهم، ورجعوا إلى المعدن الأصيل، والأصل الكريم الكتاب والسنة.
وخاتمة القول: إن الحكم بما أنزل الله واجب شرعي؛ لأن به صلاح البشرية، وإخراجها من معالم الجور إلى سنن العدل، وإن من أظلم الظلم من وقف ضد الأمة في تحاكمها وتحكيمها لكتاب ربها وسنة نبيها، وألزم الرعية بقوانين وضعية، ودساتير جاهلية، ما أنزل الله بها من سلطان، وليس علها دليل ولا برهان، وأشد ظلماً من ذلك من وقف حيال الأمة في تحقيقها للتوحيد ونفورها من الشرك، وعليه فإن الدعوة السلفية الإصلاحية مازالت آثارها وثمارها واضحة للعيان، وأبوابها مفتوحة لكل من رام منهجاً وصراطاً سليماً من الخلل والعضل، فهل من عودة حميدة إليها، وتمسك بأصولها ودخول أرجائها، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 4 - 5] ".