وترجع مكانة ابن النديم إلى أنه أول من ألف تاريخا للتراث العربى قد يكون وحيدا فى بابه، ويتضح من المعلومات الواردة به ومن المصادر المختلفة للمقالات أن العرب قد اهتموا فى وقت مبكر بتسجيل كتبهم المؤلفه وتصنيفها تصنيفا موضوعيا بل وبترتيبها إلى حد ما وفى معايير التاريخ للتراث. فبواكير تأليف كتب الأغانى إنما
ترجع مثلا إلى العصر الأموى. وكان اليعقوبى قد أرخ فى تاريخه لحركة الترجمة من اليونانية إلى العربية، قبل أن يؤلف ابن النديم كتابه بقرن كامل من الزمان (¬296).
وقد أشار ابن النديم نفسه إلى هذه الجهود التى اعتمد عليها. ورغم هذا يبقى جهده عظيما، فهو صاحب أهم كتاب فى تاريخ التراث العربى وأكثرها شمولا. كان ابن النديم وراقا، وأتاح له ذلك أن يرى معظم الكتب التى ذكرها وأن يحاول تحديد قيمتها العلمية والمادية. ويجوز لنا هنا أن نثق بما يقوله من أنه رأى هذا الكتاب أو ذلك أو شاهد نسخة منه بخط المؤلف أو غير ذلك. لقد توافرت لديه إمكانيات مثل هذا العمل، فقد عرف الكثير وكان حجة ثقة وأتاحت له حرفته جمع الكثير من المادة. ورغم هذا كله فقد فاتته كثرة من مؤلفات نعرفها من أخبار كثيرة قديمة وردت عنها فى مصادر مبكرة وصل إلينا بعضها أيضا. هذا ويمكن أن نثبت أن بعض المعلومات التى جاء بها لم يخل من تناقض (¬297)، قد يرجع إلى أنه أفاد من مصادر مختلفة، ولذا يجد الباحث نفسه مضطرا لأن يرفض بين الحين والحين ودون تردد زعما أو مقولة له (¬298).
لقد اعتمد ابن النديم بالإضافة إلى كتاب أبى الحسن بن الكوفى الذى سبق ذكره، على مصادر أخرى كان يذكرها بين حين وآخر لم يصل إلينا أكثرها. فهو يعتمد فى التراجم كثيرا على أبى سعيد السيرافى (¬299)، وأبى الفرج الأصفهانى (¬300)، وعلى كتاب لأبى العباس ثعلب بخط أبى عبد الله الحسن بن على
(¬296) انظر ما كتبه كلامروت:
، / 836216332981، 244514.
وانظر أيضا ما كتبه ليبرت:.،، 741.
(¬297) انظر مثلا أخباره المتناقضة عن الكتب الأولى عن الدولة (انظر ما سبق ذكره ص 310من الأصل الألمانى).
(¬298) انظر مثلا أخباره عن حماد الراوية، سبق ذكره ص 367من الأصل الألمانى.
(¬299) انظر الفهرست لابن النديم 50، 53، 58وقد اقتبس كتابه «أخبار النحويين».
(¬300) انظر الفهرست لابن النديم 141والأغانى (طبعة دار الكتب) 1/ 65.