1-
[تأمل شرف العلم الشرعيّ]
استشْعر – يا طالب العلم – شرف العلم الشرعيّ الذي تطلبه, وتقضي الساعات والأيام
والسنوات في تحصيلِه.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله طبقات الناس يوم القيامة, وقسَّمهم على حسب تفاضلهم
فقال:
"الطبقة الأولى: الرسل والأنبياء.
الثانية: ورثتهم وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بُعثوا به علمًا, وعملا,
ودعوةً للخلق إلى الله، على طُرُقهم ومِنْهاجهم، وهذه أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة
والنبوة, وهي مرتبة الصدّيقيّة.
الثالثة: أئمة العدل وولاته الذين تُؤمَن بهم السبل, ويستقيم بهم العالَم,
ويَستنصر بهم الضعيف, ويَذِلُّ بهم الظالم, ويأمَن بهم الخائف, وتُقَام بهم الحدود,
ويُدفَع بهم الفساد, ويَأمرون بالمعروف ويَنهون عن المنكر.
الرابعة: المجاهدون في سبيل الله".. ا.ه
فانظر يا طالب العلم إلى علوّ مكانتك, حيث كنت في المرتبة الثانية بعد الأنبياء
والرسل عليهم الصلاة والسلام, وفوق مرتبة أئمة العدل والمجاهدين في سبيله.
فاعرف قدر وشرف ما أنت فيه.
وابذل قُصارى جهدك في العمل بما تعلم, والدعوة ونشر علمك.
قال ابن القيم: "فيالها من مرتبة ما أعلاها، ومنقبة ما أجلَّها وأسْنَاها، أن يكون
المرء في حياته مشغولا ببعض أشغاله، أو في قبره قد صار أشلاءً متمزقًّا وأوصالا
متفرقة، وصُحُف حسناته متزايدةٌ تُمْلى فيها الحسنات كلَّ وقت، وأعمالُ الخير مهداة
إليه من حيث لا يحتسب.
تلك والله المكارم والغنائم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وعليه يَحْسِد
الحاسدون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وحقيقٌ بمرتبة هذا شأنها أن تُنْفَق نفائس الأنفاس عليها، ويَسْبِق السابقون إليها،
وتُوَفّر عليها الأوقات وتُتَوجَّه نحوها الطلبات.
فنسأل الله الذي بيده مفاتيح كلّ خير أن يفتح علينا خزائن رحمته، ويجعلنا من
أهل هذه الصفة بمنّه وكرمه.
وأصحاب هذه المرتبة يُدْعَون عظماء في ملكوت السماء". ا.ه[1]
وطالب العلم المخلص الصادق جمع مراتب الفضل كلّها, وجمع جميع فضائل الأعمال
المتفرقة.
فطلب العلم ابتغاء وجه الله: من أعظم العبادات, وأفضلُ أنواع الجهاد في سبيل
الله, وأفضلُ أنواع ذكر الله تعالى, وأفضلُ من جميع النوافل, فلا غَرْو أن كان
العِلْم لله يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة.
قال ابن رجب رحمه الله: مما يدل على تفضيل العِلْم على جميع النوافل: أن العِلْم
يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة.
فإن العِلْم أفضلُ أنواع الذكر، وهو أيضًا أفضل أنواع الجهاد.
وخواصُّ الرسل إنما فُضِّلوا على غيرهم من الأنبياء - عليهم السلام - بمزيد العِلْم
المقتضي لزيادة المعرفة بالله والخشية له.
وأفضل العِلْم العِلْمُ بالله، وهو العِلْم بأسمائه وصفاته، وأفعاله التي توجب
لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته، والتبتل إِلَيْهِ
والتوكل عليه، والرضا عنه، والاشتغال به دون خلقه.
ويتبع ذلك العِلْم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك، والعلم
بأوامر الله ونواهيه وشرائعه وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال
الظاهرة والباطنة، وما يكرهه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ومَن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله، العلماء بأمر
الله.
وهم أكمل ممن قَصَر علمَه على العِلْم بالله دون العِلْم بأمره وبالعكس. ا.ه[2]
وقال ابن عطية رحمه الله: قيام الليل لقراءة العلم المبتغَى به وجه الله داخل
في هذه الآية ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل﴾، وهو
أفضل من التنفل لمن يُرْجى انتفاع المسلمين بعلمه. ا.ه[3]
فلا يُداخلك الشيطان ويُثبّطك حينما ترى انكبابك في العلم, وتفرغك له أكثر من
تفرغك لقيام الليل والذكر وتلاوة القرآن, فأنت العابد المجاهد الذاكر.
فمن يُدانيك - يا طالب العلم - في الفضائل؟
ومن يجاريك في مضمار السباق إلى الله تعالى؟
ولكن حقّق الشرط الهامّ في الطلب: وهو الإخلاص لله والصدق في الطلب, بحيث تقصد
مِن طلبك للعلم رضى الله أولا, ثم العمل به, ثم نشره بقدر ما تستطيع: في
المجالس, وفي مواقع التواصل, وغيرها.
وإياك أن يكون حظّ العلم منك: التَّفكّه باقتناص الفوائد, والاستمتاع بقراءة ما
تحب, مع قلة العبادة والاقتصار على القليل من القيام ونوافل الصوم وقراءة
القرآن.
فأنت مِن ورثة نبيّك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم, الذي بلَغ الغاية في العمل
والعبادة والدعوة إلى دين ربه.
ودِين الله تعالى أمانة في عنقك, ومسؤولية عظيمة كبيرة في عاتقك.
[1] طريق الهجرتين (ص: 749)
[2] مجموع رسائل ابن رجب (1/ 37- 41)
[3] المحرر الوجيز (1/ 493)