تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21- ((النظرة الصحيحة لقوة الحفظ وللحفاظ))

قد يجد بعض طلاب العلم في بداية طلبه للعلم حسرةً على تأخره في الطلب

إذا رأى من هو أحفظ وأتقن للعلم منه, بسبب طلبه للعلم في الصغر.

وإذا رأى الحفاظ يُعجب بهم, ويُقارنهم بغيرهم, فيكبرون في عينه, ويرى أنّ

مكانتهم ورفعتهم بحسب كثرة علمهم, وقوة حفظهم.

وإذا منّ الله تعالى عليه بالقرب منه, ومعرفته والأنس به, ستصبح همته

منصبةً في نيل رضا الله, وفي العمل بعلمه, ونشره ونفع الناس, بعد أن يأخذ

الحظ الأوفر من العبادة.

وستتغير نظرته تجاه الحفاظ, وسينظر إلى عمل العالم بعلمه, وتواضعه

وأخلاقه ونشره لعلمه.

والعلم بالنسبة للمسلم وسيلةٌ لا غاية, فهو إنما يطلبه ليُوصله إلى رضا

ربه عنه, ويرفع الجهل عن نفسه, وينشر دين الله بما يقدر عليه.

ومن ذاق طعم الإيمان وحلاوة العبادة, ومعرفة الله تعالى فقد دخل عالم

السعادة والعزة والتوكل واليقين والصبر والزهد.

وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين قال: مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ

الْأَبَدِيَّةَ، فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ.

وكان يقول رحمه الله: الْقَلْبُ لَا يَصْلُحُ وَلَا يُفْلِحُ وَلَا يَلْتَذُّ وَلَا يُسَرُّ وَلَا

يَطِيبُ وَلَا يَسْكُنُ وَلَا يَطْمَئِنُّ إلَّا بِعِبَادَةِ رَبِّهِ, وَحُبِّهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ.

والْقَلْب إذَا ذَاقَ طَعْمَ عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ: لَمْ يَكُن عِنْدَهُ شَيْءٌ قَطُّ أَحْلَى

مِن ذَلِكَ وَلَا أَلَذَّ وَلَا أَطْيَبَ.

وَلَو حَصَلَ لَهُ كُلُّ مَا يَلْتَذُّ بِهِ مِن الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ يَطْمَئِنَّ وَلَمْ يَسْكُنْ. ا.ه[65]

ولا تظنّ أنك لن ترسخ في العلم إلا بقوة ذاكرة, وسرعة حفظ؛ فإنّ كثيرًا من

العلماء لم يُرزقوا قوة في الذاكرة, وسرعة في الحفظ.

قال أحد طلاب العلم: حينما بدأت في طلب العلم كنت أعاني من ضعفٍ شديد في

الحفظ, وسرعةٍ في النسيان, وحاولت أنَّ أحفظ بعض المتون الصغيرة في بداية

الطلب فما استطعت إلا بشق الأنفس, وأما المتون الطويلة فلم أستطع, فقد

بدأت في حفظ صحيح مسلم على أحد مشايخي ولم أستطع إكماله, وحينما بدأ بعض

طلاب العلم في تسميع الصحيحين تسابق كثير من طلاب العلم في الحفظ

والتسميع, فدخلت في البرنامج, وحاولت وجاهدت ولكنني لم أستطع, وكنت أسمع

من مشايخي أن الحفظ من أركانِ طلب العلم, ولا يكون إمام إلا حافظ, وحينما

كنت أحفظ متن الرحبية مررت على قوله:

(واحفظ فكل حافظ إمام) , حتى خيّل إليّ أنني لا أصلح لطلب العلم, وحينما

رأيت نفسي لا تستجيب للحفظ: اتجهت لقراءة المتون مع شروحِها, وقراءةِ الكتب

المتوسطة, ثم الكتب المطولةِ بعد ذلك, والاقتصار على ما يخف علي حفظه,

واستعنت بالله, وعلمت أن الله تعالى لا يغلق بابا إلا فتح أبوابا كثيرة,

فرأيت نفسي تميل إلى القراءة والفهم والتأمل والتدبر, واستعنت على الضبط

بأربعة أمور:

1- الاستعانة بالله وكثرة دعائه والتضرع إليه.

2- تكرار قراءة المتون والشروحات عليها.

3- البحث والتصنيف.

4- اختصار الكتب وتهذيبها, فانتفعت كثيرا.

واستطعت – بفضل الله تعالى – تحصيل كثير من العلوم الوفنون, وداومت على

ذلك حتى أخرجت عدة كتب بحمد الله, فأيقنت أنّ من طلب العلم بجدٍّ وعزمٍ لا

يمنعه من التمكين والضبط ضعف حفظ ولا سرعة نسيان ولا تأخر في الطلب. ا.ه

ورحم الله ابن الجوزي حين قال: من لم يجد نشاطًا للحفظ فليتركه؛ فإنَّ

مكابرة النفس لا تصلح. ا.ه[66]

وأعرف طالب علم, اقتنع من أنّ الحفظ هو السبيل الأهم, والطريق الذي يجب

أن يُسلك أولا للرسوخ في العلم, فترك القراءة, وكان عمرُه قد جاوز الثلاثين,

وجعل يحفظ بعض المتون العلميّة, حتى أمضى بضعةَ أعوام على ذلك, ولم يكمل حفظ

بقية المتون التي أخذ على نفسه حفظها, وهجر القراءة والمطالعة, للتفرغ

للحفظ, بعد أن كان مدمنًا عليها!

وهذا من الأخطاء في المنهجية, وسببه عدم الرجوع لمشورة ونصح أهل العلم.

والحفظُ ليس غاية, بل هو وسيلة, وعدم اعتبار السنّ المناسب للتفرغ

للحفظ, فإذا أفنى طالب العلم وقته في الوسيلة وأهمل الغاية: فقد خسر وضيَّع

وقته وفرّط.

وبقدر قبول طبع طالب العلم للعلم, وحرصه في طلبه, وجودة العلم الذي يتلقاه,

وكيفية أخذه: ينبغ ويُعان ويُوفّق ويُبارك له, ولو كان غيره من أقرانه وشيوخه قد

سبقوه, فهذا من أعظم أسرار نبوغ الكثير من العلماء.

قال الشافعي رحمه الله: "الطبع أرض, والعلم بذر، ولا يكون العلم إلا

بالطلب، فإذا كان الطبع قابلاً زكا مَرْبَع العلم, وتفرَّعت معانيه". ا.ه[67]

ولا يُفهم مما قلتُه إهمال الحفظ مطلقًا, والزهد في ذلك لِمَن لا يمتلك

حافظةً قويّة, فهذا لا يصح أبدًا, وأولى ما حُفظ: كتاب الله تعالى, ثم المتون

المهمة, لا سيما متون الأحاديث المختصرة.

وطالب العلم ينبغي عليه أنْ يُعنى بحفظ القرآن وفهمِه, وكثيرٌ من طلاب

العلم - بل وبعض العلماء - تحسّروا وندموا على عدم عنايتهم بحفظ القرآن زمن

الصبا والشباب, ولو حاولوا بعد ذلك لَمَا استطاعوا إلا بصعوبة ومشقة قد لا

يُطيقونها؛ إما لكبر سنهم, أو ضعف تركيزهم أو حفظهم, أو كثرة أشغالهم.

***

[65] مجموع الفتاوى (10/194)

[66] صيد الخاطر 214

[67] ترتيب المدارك (1/432)

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ٦٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ٦٩