5- ((أسباب القدرة على التصنيف والقراءة والبحث))
ما منّ الله - تبارك اسمه وتعالى جدّه – على مَن صنّف وفُتح له في العلم
والرسوخ فيه فإنما قدر على ذلك بأسباب أربعة:
السبب الأول: نعمةٌ من الله عليه بالعافية, التي بها قدر على العمل.
السبب الثاني: نعمةٌ من الله عليه بالهداية, التي بها انصرف عن الضلالة
والغواية.
السبب الثالث: نعمةٌ من الله عليه بتحبيب العلم والتصنيف والقراءة
والبحث له, ولو لم يُحبب ذلك له لَمَا أطاق المكث في المكتبة بين الكتب
يقلبّها ويُعمل فكره فيها.
وما أجمل ما قاله الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حينما سُئل: هذا العلم
تعلَّمته لله؟
فقال: هذا شرطٌ شديدٌ ولكنْ حُبّبَ إليّ شيءٌ فجمعتُه.[102]
السبب الرابع: نعمةٌ من الله عليه بالإرادة والعزيمة, فلو عافاه الله
وهداه وحبب له العلم والتصنيف والقراءة, ولكن لم يقذف في قلبه الإرادة
والعزيمة لَمَا نشط على القيام بذلك.
فالكلّ بنعمة الله وحده, فلا فضل له فيما قال وكتب وعمل, بل الفضل لله
تعالى وحده, ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
وإذا كان الإمام الحبر الهمام, أحمد ابن تيمية شيخ الإسلام رحمه الله,
يَقُولُ كَثِيرًا: مَا لِي شَيْءٌ، وَلَا مِنِّي شَيْءٌ، وَلَا فِيَّ شَيْءٌ, وهو من هو في غزارة
علومه, وكثرة جهاده, وصبرِه وثباته وعبادته يقول هذا الكلام, فماذا يقول
غيره؟ والله المستعان
***
6- (الحذر من مرضين خطيرين: رغبة الكمال والتراخي والتسويف)
يا طالب العلم احذر مرضين خطيرين ذكرهما الشيخُ عبد الفتاح أبو غدة رحمه
الله تعالى حيث قال: (كم أماتت رغبة الكمال إنجاز كثير من جليل الأعمال,
كما أمات التراخي والتسويف كثيراً من فرائد التأليف).. ا.ه[103]
فقد ذكر الشيخ مرضين فتَّاكين يسريان في عقول كثيرٍ من طلاب العلم خاصة:
الأول: الانتظار والتمهل حتى بلوغ الكمال, فإذا دُعي لإلقاء كلمةٍ أو
خطبة, أو تأليف كتاب, أو تعليمٍ: أجابك بقوله: أصبرُ حتى أتمكن وأتضلع من
العلم والمعرفة!!.
وقد يكون مضى عليه عشر سنواتٍ في العلم والقراءة وحضور الدروس.
وهذا بلا شك خلل كبيرٌ سببه أحد أمور:
الأول: إما خلله في منهجية طلبه للعلم, وعدم سلوك الجادة في ذلك, مما
أفقده الثقة بنفسِه.
الثاني: احْتقارُ نفسِه احتقارًا مذمومًا, والتذرع بكراهة السلف للشهرة.
الثالث: الخوف المفرط من الخطأ والنقد.
ومِن هؤلاء مَن مضى عليهم سنواتٌ طويلة, ولم يُر لهم أثرٌ في مجتمعهم, فلم
يكن منهم الخطيب, ولا المؤلف, ولا القائم على الدروس والمحاضرات.
ومن هذا الباب قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولما كان في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر , والجهاد في سبيل الله: من الابتلاء والمحن ما
يتعرض به المرء للفتنة , صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك:
بأنه يطلب السَّلامة من الفتنة. ا.ه[104]
ومعنى كلامه رحمه الله: أنَّه لَمَّا كان في القيام بالأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر والجهاد في سبيل الله -ونشر العلم والتصنيف من أعظم أنواع
الجهاد-: من المشقة والابتلاء, صار الكثير من الناس إذا طُلب منه القيام
بما أمر الله, والصدعُ بالحق تخاذل وخذَّل غيره, وحُجَّته في ذلك أنه لا يفعل
ذلك خوفاً من الفتن.
فمن تقاعس عن نشر العلم بكل الوسائل المتاحة له, أو سكت عن إنكارِ
المنكر بحجة الخوف على نفسه من فتنة الشهرة أو فساد قلبه ونحو ذلك فقد وقع
هو في الفتنة بسكوته وكتمانه ما أوجبه الله تعالى عليه.
ومَن تأخَّر في التصنيف لرغبته في الكمال فلن يصنف؛ فما من كتاب - سوى
كتاب الله تعالى - إلا وفيه نقص إلا ما شاء الله, ولازال أهل العلم يستدرك
بعضهم على بعض.
وتجد في كبار الكتب من الخلل والأخطاء ما لا يُحصى, بل وتجد فيها
تناقضًا, حيث يرجح المؤلف أمرًا في موضع, ثم يُرجح خلاف ذلك في موضع آخر,
وهذا في الكتب المطولة, حيث يستغرق في تأليفه سنوات طويلة, تختلف قناعاته
خلال هذه المدة, فحينما يرجح أو يقرر أمرًا مجتهدا فيه, يكون قد رجح أو قرر
قبل ذلك خلاف ذلك, فلا يعد هذا نقصًا ولا عيبًا.
ولو أحصينا أخطاء بعض العلماء في مؤلفاتهم لوجدناها تتجاوز العشرات, بل
تتجاوز المئات.
وقد قال الشافعي رحمه الله: ألفت هذه الكتب، ولم آل فيها، ولا بد أن
يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا
فيه اختلافاً كثيراً ". ا.ه[105]
ومن بديع الاستنباط: قول العلامة السيوطي رحمه الله في قوله تعالى:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾:
في الآية العذر للمصنفين فيما يقع لهم من الاختلاف والتناقض؛ لأنَّ السلامة
عن ذلك من خصائص القرآن. ا.ه[106]
فهذا هو المنهج الذي يجب على طلاب العلم والعلماء أن يسيروا عليه.
والثاني من الأمراض التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى: التراخي
والتسويف, وهذا أمرٌ يعرض لأكثر طلاب العلم, بل لكثير من المتمكنين من
العلم, وقد أدى بهم ذلك إلى حرمان الأمة من علومهم وخيراتهم.
وكم من إنسان جاهد نفسه في تأليف كتابٍ يبتغي به نفع الأمة, وتحفيز
نفسه على الجد والبذل, فكان هذا التأليف سببًا في رفعته وبركته, بل وجرَّه
ذلك إلى عشرات المؤلفات, وما ذلك إلا لبركة النية الصادقة في نفع
المسلمين.
بل إن بعض المؤلفين لم يخطر بباله أنه يستطيع أنْ يُؤلف كُتيباً صغيرا, ولا
يرى نفسه أهلا لذلك, فلما ألَّف أول كتابٍ ورأى جماله, وسمع ثناء الناس عليه:
تنشّط للتأليف, فألف بعدها كتباً كثيرةً.
وهذ الإمام النووي رحمه الله, قال عنه الإسنوي رحمه الله موضِّحًا سبب
كثرةِ مؤلفات النووي بالرُّغم من قصر عمره: (ووقوع هذا للشيخ محيي الدين
النووي أكثر، وذلك أنه لما تأهل للنظر والتحصيل، رأى من المسارعة إلى
الخيرات أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفاً، ينتفع به الناظر فيه، فجعل
تصنيفه تحصيلاً، وتحصيله تصنيفاً..، ولولا ذلك لم يتيسر له من التصانيف ما
تيسر، فإنه رحمه الله دخل دمشق للاشتغال وهو ابن ثمانية عشرة سنة، ومات
ولم يستكمل ستاً وأربعين). ا.ه[107]
فمن المهم لطالب العلم أن يعود نفسه على التصنيف والبحث؛ فهو من
العوامل المهمة التي تبني شخصية طالب العلم الجاد, ولْيترك الْمُبالغةَ في
احتقار نفسه, فإنه قد يكون من طرق الشيطان التي تمكن بها من تحجيم قدراته
وإبداعاته.
وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن من حيل الشياطين على
المؤمن: أن يُشْغلوه بالطَّاعاتِ الْمفْضُولةِ, لِيَشْغَلُوهُ بِهَا, عن الطَّاعاتِ الْفاضلَةِ
الْكثيرة الثَّوابِ, فَيُعْمِلُ حِيلتَهُ في تَرْكهِ كُلَّ طَاعةٍ كَبيرةٍ نافعة, إلَى مَا هُوَ
دُونَهَا وأقلَّ منها, فيأمُرُه بفعل الخير المفضول, ويحثُّه عليه, ويُحَسِّنه له, حتى
يدعَ ما هو أفضلُ وأعلى منه.
قال رحمه الله: وقلَّ من يتنبه لهذا من الناس, ولم يصل علمُه إلى أنَّ
الشيطان يأمر بسبعين باباً من أبواب الخير, إما ليتوصَّل بها إلى بابٍ واحد من
الشر, وإما ليفَوِّت بها خيراً أعظمَ, وأجلَّ وأفضل من تلك السبعينَ باباً.
ا.ه[108]
فالشيطان قد يحبّب لطالب العلم النفرة من الشهرة, والمبالغة في إصلاح
سريرته ونيته, لِيُشْغِلَه بذلك عن الطَّاعاتِ الْفاضلَةِ الْكثيرة الثَّوابِ, كالدعوة
إلى الله تعالى, والتصنيف وإلقاء الخطب والمحاضرات.
***
[102] البداية والنهاية لابن كثير (10/ 330)
[103] الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم وأساليبه في التعليم:2
[104] الاستقامة / 499
[105] تاريخ دمشق لابن عساكر (51/ 365)
[106] الإكليل في استنباط التنزيل (ص: 95).
[107] المهمات في شرح الروضة للرافعي: 1/99
[108] بدائع الفوائد: 2/ 485