11- ((قراءة الكتاب لأكثر من مرة: أهم من قراءة كتاب جديد))
يكاد يتفق أهل العلم والخبرة على أنَّ تكرار قراءة كتاب نافعٍ, أو حفظَ متنٍ
مفيدٍ: خير وأنفع وأثبت من ابتداء كتاب جديد ولو كان أفضل من الأول.
فكثرة القراءات وتنوعها: تُعطي ثقافة وكثرة معلومات, ولا تعطي التأصيل
والرسوخ أبدًا, وإنما الرسوخ والتأصيل في تكرار قراءة الكتاب الواحد,
والتلخيص والتأمل في الكتاب الذي يُقرأ.
قال ابن الجوزي رحمه الله: ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفًا
إلى الحفظ والإعادة؛ فلو صح صرف الزمان إلى ذلك كان الأولى.
وإن النفس لتهرب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛
لأن ذلك أشهى وأخفّ عليها.
ومع العدل والإنصاف يتأتى كلُّ مراد، ومن انحرف عن الجادة طالت طريقه.
ا.ه[28]
وصدق رحمه الله: فمن انحرف عن الجادة الصحيحة في طلب العلم طال طريقه,
وعسر عليه الفهم والعلم.
وكثير ممن ذاق طعم القراءة أو التصنيف, انشغل بذلك عن الحفظ, والتكرار,
وثني الركب للتعليم؛ لأنه صعب عليه فراق تلك اللذة التي ذاقها, وهذا سيؤثر
على تحصيله العلمي والعملي.
وقراءة الكتاب لأول مرة: يجد القارئ فيه حلاوة ولذة؛ وذلك لكثرة
المعلومات الجديدة عليه - غالبًا- فإذا أنهاه ظن أنه قد هضمه وفهمه, ولا
يحتاج إلى الرجوع إليه!
وبالتجربة: فإن من يقرأ كتابًا قيّمًا, يحتوي كله أو أكثره على معلومات
جديدة: سينساها بعد زمن قليل, ولن تتبقَّى إلا بعض المعلومات اليسيرة جدًّا.
وتكون نسبة رسوخِ المعلوماتِ منه ما يقارب (عشرة في المائة), هذا إذا لم
يلخصه أو يرجع إليه.
أما إذا قرأه مرة أخرى, أو قرأ تلخيصه إن كان لخصه: فسوف ترسخ
المعلومات رسوخًا كبيرًا, بنسبة (سبعين في المائة) تقريبًا, وهذه القراءةُ من
أعظم أسباب صقل المواهب, وفتح مغاليق العقل, وتفتق الذهن.
ولذلك, تجد العلماء الكبار يعتنون بالمتون الصغيرة والمتوسّطة قراءةً,
وحفظًا, وتدريسًا, وتكرارًا, فكان من نتائج ذلك: رسوخُهم في العلم, وقدرتُهم
على شرحها بعد ذلك شرحًا مسدّدًا وافيًا, ورُزقوا مَلَكةً في الاستنباط, والفتوى.
وخذ مثالاً على ذلك: كانت للعلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
مكتبةٌ صغيرة, تحتوي على أهم المتون العلمية, والكتب الأصلية, فضبطها كلها
أو جلها, وكرر قراءة كثير منها, فأنتج كتبًا قد تكون أكثر من الكتب التي في
مكتبته!
وتجد كثيرًا من طلاب العلم يبالغون في القراءة وجمع الكتب, ولم يستطيعوا
شرح متن علميّ شرحًا وافيًا, أو تأليف كتاب تنتفع به الأمة.
فيجب العناية بتكرار قراءة الكتب النافعة.
والغالب أن الإنسان إذا ابتدأ قراءة كتاب جديد: سيُعجبُه ما فيه من
العلوم والمعارف, وسيظن أنه قد حصل على كنز كبير, والواقع أنه كنز - إذا
كان الكتاب قيّمًا نافعًا- ولكنه سريعًا ما يضيع ويذهب, ولا يكاد يبقى منه شيء
بعد برهة من الزمن.
بخلاف إعادة قراءة كتاب سبق أن قرأته, فإنّ محتواه موجود في عقلك
الباطن, وما عليك إلا استخراجه بتكرار القراءة, وحينما تظهر وتخرج من
العقل الباطن لا تكاد تُنسى بإذن الله تعالى.
والفقه على وجه الخصوص لا يُضبط إلا بتكرار قراءة كل أبوابه وكثرة بحث
مسائله المشكلة, ولا أقل من قراءته في العام مرة واحدة, قراءةً شاملة تأتي
على جميع أو جلّ مسائلِه وأبوابه, فهو سريع التفلّت, كثير التشعب.
قال ابن عبدالبر رحمه الله: مَنْ لَمْ يَتَعَاهَدْ علمه ذهب عنه؛ لِأَنَّ عِلْمَهُمْ كَانَ
ذَلِكَ الْوَقْتَ الْقُرْآنُ لَا غَيْرَ, وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ الْمُيَسَّرُ لِلذِّكْرِ يَذْهَبُ إِنْ لَمْ
يُتَعَاهَدْ, فَمَا ظَنُّكُ بغيره من العلوم المعهودة, وخير العلوم مَا ضُبِطَ أَصْلُهُ,
وَاسْتُذْكِرَ فَرْعُهُ, وَقَادَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى, وَدَلَّ عَلَى مَا يَرْضَاهُ. ا.ه[29]
***
12- (أقسام الناس بالنسبة للعقل والعلم)
الناس أقسام أربعة:
1- من عقلُه أوفر من علمه.
2- من علمه أكثر من عقلِه.
3- جاهل أحمق.
4- عالم عاقل.
فالأول: يحجزُه عقلُه عن كثيرٍ من سفاسف الأمور, ولا يكاد يقع في الأمور
الدنيئة, والمواقف الحرجة.
ولكن مع ذلك, قد يُصاب بعض العقلاء بالغرور والعجب والكبر, فيَزدري من
تحت يده, أو يظلمهم, فيتضرّر بذلك تضرُّرًا كبيرًا.
وربما تمرد على شرع الله تعالى, وحكّم عقله حيث أُعجب به, ومبدأ غالب
البدع والطوائف المنحرفة من رجل عنده عقل وذكاء, لكنه قليل البضاعة في
العلم, فحكّم عقله, وأمدّه الشيطان وأزّه, حيث لا رسوخ في العلم عنده, فضلّ
وأضلّ.
والثاني: كثير التقلّبات, ويأتي بالغرائب والعجائب, ولا يكاد يستقر على
حال, وربما كان علمه وبالا عليه, حيث سخره لهواه أو هوى غيره.
قال البَلْخِيُّ عن أحدِ الملحدين: كَانَ عِلْمُهُ فَوْقَ عَقْلِهِ. ا.ه[30]
"وكان السهروردي أوحد أهل زمانه في العلوم الحكمية، جامعاً للفنون
الفلسفية, بارعاً في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء فصيح العبارة، وكان علمه
أكثر من عقله".[31]
وصدق القائل: "إذا كان علم الرجل أكثر من عقله كان حريًّا أن يضرّه
علمه".[32]
وقيل لابن المقفع - وقد اجتمع مع الخليل بن أحمد -: كيف رأيت الخليل؟
قال: رأيت رجلاً عقله أكثر من علمه.
وقيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ قال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله.
قال المغيرة بن محمد: صَدَقَا، أدى عقل الخليل إلى أن مات أزهد الناس،
وجهل ابن المقفع إلى أن قتل.
وذلك أنه كتب كتاباً لعبد الله بن علي فقال فيه ما كان مستغنياً أن
يقوله, فأمر بقتلِه.[33]
ومن أظهر ما يُستدلّ به على هذا الصنف من الناس: أنَّ قلب الواحد منهم في
طرف لسانه, ولا يرجع إلى عقلِه, بل ما جرى على لسانه تكلم به.
بخلاف من عقلُه أوفر من علمه: فلسانُه وراء قلبه, فإذا أراد أن يقول رجع
إلى عقلِه, فإن كان له قال, وإن كان عليه أمسك.
والثالث: جمع الشرّ كلّه.
والرابع: جمع الخير كلّه إذا كان معه تقوى وإيمان.
واعلم أنّ العقل جزءان:
أحدهما: ما تفرد الله سبحانه بصنعته.
والآخر: ما يستفيده المرء بنفسِه, بمخالطتِه وقراءته وتجاربه.
فصاحب العقلاء, واقرأ لهم, وروّض نفسك على التخلّق بأخلاقهم, والتأدّب
بآدابِهم, وجاهد نفسك على الاقتداء بسيرهم: تكن من أعقل الناس وأحكمهم
وأحنكهم.
والتربيةُ تنصبُّ في الأساس على العقل, فهو ملِكُ الجوارح, والعقلُ قابلٌ
للزيادةِ والنقص مدى حياة الإنسان.
وحياةُ الإنسان مدرسةٌ يستفيد منها مَنْ نوّر الله تعالى بصيرته.
فنضوج العقل لا يتأتَّى إلا لمن استعان بربّه, واستفاد من تجاربِه وتجارب
غيرِه.
فعقلُ الرشيد: عزيز المنال, سابغ الظِّلال, فاللهم ألهمنا رشدنا, وقِنَا
شرور أنفسنا.. آمين
***
[28] صيد الخاطر: 219
[29] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (14/ 134)
[30] سير أعلام النبلاء 27/ 62
[31] وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان: 6/ 269
[32] بهجة المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر: 117
[33] شذرات الذهب في أخبار من ذهب: 1/ 276 , الأوائل, لأبي هلال العسكري: (ص: 377).