12- ((أهميّة البحث والترجيح لطالب العلم))
من أعظم لذات العلم: حينما يتوصل طالب العلم لتحقيق مسألة صعبت عليه,
ويتبين له الحقّ فيها, فإنه يهجم عليه شعورٌ لا يكاد يُوصف, ولا يقدر على شكر
الله في هذه الحالة إلا بسجود الشكر ولن يُوفّيه حقّه سبحانه.
قال العلامة ابن حزم رحمه الله: أحدثك في ذلك بما نرجو أن ينتفع به قارئه
إن شاء الله تعالى، وذلك أني كنت معتقلا في يد الملقب بالمستكفي وهو محمد بن
عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر[115], وكنت لا آمن قتلته؛ لأنه كان سلطانا
جائرا ظالما عاديا, قليل الدين كثير الجهل, غير مأمون ولا متثبت، وكان ذنبنا
عنده صحبتنا للمستظهر رضي الله عنه.[116]
وكنت مفكرًا في مسألة عويصة من كليات الجمل التي تقع تحتها معان عظيمة كثر
فيها الشغب قديما وحديثًا في أحكام الديانة، وهي متصرفة الفروع في جميع أبواب
الفقه، فطالت فكرتي فيها أياما وليالي, إلى أن لاح لي وجه البيان فيها, وصح لي
وحق لي الحق يقينا في حكمها وانبلج، وأنا في الحال الذي وصفت, فبالله الذي لا
إله إلا هو الخالق الأول, مدبر الأمور كلها, أقسم بالذي لا يجوز القسم بسواه،
لقد كان سروري يومئذ وأنا في تلك الحال بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به
وإشراق الصواب لي أشد من سروري بإطلاقي مما كنت فيه. ا.ه[117]
وللبحث والاستنباط والتأمّل والتدبّر عند طالب العلم لذة لا يعلم قدرها إلا
الله تعالى ، وأما القراءة المجردة وتتبُّع الملخصات: فمُتْعتها يسيرة, ومنفعتها
محدودة, وتُورث العجز, وموت الخواطر, وأُفول الاستنباط.
فالبحث والترجيح من أهم ما ينبغي على طالب العلم أن يعتني به؛ وذلك لأن
فيه فوائد ومنافع كثيرةً جدًّا, منها:
أولاً: أنه أفضل طريقٍ لنيل العلم وتأصيله, فإذا مرَّتْ بك مسألةٌ أو حكمٌ فقم
بالبحث عن أدلته وبراهينه, واسْتنبط الحكم بنفسك, ودقّق ونقّح ورجّح, ثم اعرضه
على شيخك أو أحد العلماء أو طلاب العلم, فستخرج بفوائد عظيمة.
ثانيًا: أنه يُؤدي إلى الحرص والحماس والنشاط, والشعور بالراحة والرضى في
سيرك العلمي.
ثالثًا: أنه يوصل إلى الفهم التامّ لمسائل العلم, وإفتاء الناس بمسائل
توصلت إلى أحكامها, بعد بحث واستقصاء للأدلة الشرعية وأقوال أهل العلم.
ولا يُمكن أن يصل طالب العلم إلى مرحلة الإفتاء إلا بكثرةِ البحوث
والتحقيقات, التي من خلالها يتوصل إلى الحكم بدليله, مع الفهم التامّ لأصول
المسائل بأدلتها.
والبحث يكون لطالب العلم المبتدئ في غير قراءته المنهجية, حتى لا
يتشتت, بل إذا انتهى من حفظه أو قراءته رجع إلى المسائل المشكلة عنده
فَبَحَثها وتَحَقَّقَ منها.
ويتأكد البحث والترجيح والنظر في الأدلة لطالب العلم الذي قطع شوطًا في
طلب العلم, وأمضى زمانًا في حضور الدروس والقراءة, ولا ينبغي له أنْ يُقلِّدَ
شيخه ويكتفي بترجيحاتِه وتقريراتِه.[118]
والكثير من المؤلفات إنما كانت في الأصل بحثًا.
***
[115] تعرض ابن حزم لذكر المستكفي في كثير من مؤلفاته، ووصفه بأنه كان في نهاية الضعة والسقوط والضعف والتأخر.
[116] بويع المستظهر وهو عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار في رمضان سنة 414هـ فاستوزر ابن حزم وابن شهيد، ثم ثار عليه محمد بن عبد الرحمن الناصري في شهر ذي القعدة من العام نفسه وقتله وبويع بالخلافة وتلقب بالمستكفي، وقد سجن ابن حزم وابن عمه أبا المغيرة، وأقام في الخلافة ستة عشر شهراً عاد بعدها أمر قرطبة إلى بني حمود وفر المستكفي إلى ناحية الثغر ومات في مقره.
[117] رسائل ابن حزم: 4/ 346
[118] يُنظر: آدابُ طالِبِ الْعِلْمِ وسُبُلُ بِنَائِه ورُسُوخِه, للمؤلف: 112-113