تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3- ((فوائد التصنيف))

للتأليف واختصار الكتب فوائد جليلة, منها:

أولا: أنه من أعظم أسباب رسوخ المعلومات وثباتها, وزيادة اسْتيعابِها,

فكم من مسألة لم تفهمها, أو فهمتها خطأ, وحينما لخصتَ الكتاب, أو بحثتَ

المسألة, أو صنفت: انجلت لك ووضحت.

ثانيًا: أنه يزيد في الهمة والنشاط؛ لأنّ التأليف يتطلب حركةَ الذهن,

وكثرة التأملّ والبحث والنظر.

ورؤية الكتاب مطبوعًا, وتواردُ أنباء استفادةِ القراء منه: يُفِيض على النفس

السرور والفرح, الذي يؤدي إلى زيادة الهمّة والنشاط.

ثالثًا: أنه يُساعد على تنمية وصقلِ موهبة الكتابة والتعبير والتحرير.

رابعًا: أنه يُعين المؤلف على جلب الخواطر واستغلالِ المواقف, حتى لا يكاد

يمر بك موقفٌ إلا استثمرتَه وكتبتَ عنه, واستلهمت منه العبر والدروس.

خامسًا: نشر العلم الذي يعدّه المسلم ذخرًا له بعد مماته, ولا ينقطع عمله

بموته.

فكم من داعٍ للمؤلف في ظهر الغيب؟

وكم من كتابٍ غيّر حياة حيارى, وأعاد بناء أرواحهم؟

وكم أصلح أديان منحرفين, ورفع من همةِ محبطين وزاد من نشاطهم؟

وكم تسبب في إعادةِ ملحد إلى حضن الإسلام؟

وكم أصلح بين زوجين؟

وكم أثر على طلاب علم فبدؤوا بالتأليف بعد أنْ كانوا لا يفكرون في ذلك؟

وكم حفّز مسلمًا لحفظ القرآن, أو طلب العلم, أو تصحيح مساره؟

سادسًا: أنه سببٌ في كسب صداقاتٍ وعلاقاتٍ نافعةٍ مع بعض العلماء وطلاب

العلم والدعاة إلى الله وغيرهم, واستفاد من أرائهم, وملحوظاتهم, ونصحائهم,

وتجاربهم, وأفاد غيره كذلك.

فكم من طالب علم مغمورٍ ظهر وعُرف بعد تأليفه ولو لكتاب واحد, فازداد همةً

بعد ذلك, واستفاد من توجيهات وملحوظات العلماء وطلاب العلم وغيرهم.

سابعًا: أنّ التأليف سبب كبير لضبط وفهم واستيعاب مسائل العلم الدقيقة

والجليلة, وزيادة همةِ طالب العلم, ومضاعفة تعلّقه بالعلم, واختصار الوقت

والجهد عليه, وارتقائه إلى مقام الرسوخ في العلم إذا جدّ واجتهد واتقى ربه.

ولا شكّ أنّ طالب العلم الذي لم يُرزق قوةً في الحفظ, والذكاء, والهمة, لو

لم يختصر الكتب ولم يصنّف: لكان ضبطه وفهمه واستيعابه للعلم ضعيفًا, ولكانت

همّته وتعلّقه بالعلم أقل, ولتحسَّر على طول الزمن في طلب العلم دون فائدة

كبيرة, وضبط ورسوخ, كما نسمع ذلك من كثير من طلاب العلم.

وطالب العلم لا يعلم متى يفجأه الموت, أو تخونه أركانه وذاكرته وعقله,

فلذلك لا ينبغي أنْ يُؤجّل التأليف إلى حين تقدم عمره إذا كان أهلا لذلك, فكم

من تصنيف في أول العمر أنفع وأجلّ من تصانيف كثيرة جاءت بعد تقدُّم العمر,

وكثرة العلم, ورجاحة العقل, وطول الخبرة, فلا تدري أين تحل البركة.

فقد تكون - يا طالب العلم - في أيام شبابك أعظمَ إخلاصًا, وأشدّ إقبالاً,

وأعلى همةً مِن أيام شيخوختك, ومن اليقين أنّ أيام الشباب والكهولة أكثرُ

فراغًا وأقلُّ شغلا وارتباطًا, فاستغل فراغك وقلة انشغالك, فقد يأتيك زمن

تتمنى الفراغ لتؤلف وتصنف, وإن وجدت فراغًا فقد تُشغلك ظُروفُ عمَلِك وهموم أُمَّتك

عن التصنيف.

قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله تعالى: يحصل العلم بثلاثة أشياء:

أحدها: العمل به، فإن من كلف نفسه التكلم بالعربية، دعاه ذلك إلى حفظ

النحو, ومن سأل عن المشكلات ليعمل فيها بمقتضى الشرع تعلم.

والثاني: التعليم، فإنه إذا علم الناس كان أدعى إلى تعليمه.

الثالث: التصنيف، فإنه يخرجه إلى البحث، ولا يتمكن من التصنيف من لم

يدرك غور ذلك العلم الذي صنَّف فيه. ا.ه[91]

ومن أعظم الفوائد من التصنيف: ما ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله

(المتوفى: 463هـ) بقوله: "قَلَّ مَا يَتَمَهَّرُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ, وَيَقِفُ عَلَى غَوَامِضِهِ,

وَيَسْتَثِيرُ الْخَفِيَّ مِنْ فَوَائِدِهِ, إِلَّا مَنْ جَمَعَ مُتَفَرِّقَهُ, وَأَلَّفَ مُتَشَتِّتَهُ, وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى

بَعْضٍ, وَاشْتَغَلَ بِتَصْنِيفِ أَبْوَابِهِ, وَتَرْتِيبِ أَصْنَافِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ:

مِمَّا يُقَوِّي النَّفْسَ.

وَيُثَبِّتُ الْحِفْظَ.

وَيُذَكِّي الْقَلْبَ.

وَيَشْحَذُ الطَّبْعَ.

وَيَبْسُطُ اللِّسَانَ.

وَيُجِيدُ الْبَيَانَ.

وَيَكْشِفُ الْمُشْتَبِهَ.

وَيُوَضِّحُ الْمُلْتَبِسَ.

وَيُكْسِبُ أَيْضًا جَمِيلَ الذِّكْرِ.

وَتَخْلِيدَهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ". ا.ه[92]

وصدق الشَّاعرُ:

يَمُوتُ قَوْمٌ فَيُحْيِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ ... وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أحياءً بِأَمْوَاتِ

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ رحمه الله: «عِلْمُ الْإِنْسَانِ وَلَدُهُ الْمُخَلَّدُ».

وصدق القائل:

يَقُولُونَ: ذِكْرُ الْمَرْءِ يَبْقَى بِنَسْلِهِ ... وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَسْلُ

فَقُلْتُ لَهُمْ نَسْلِي بَدَائِعُ حِكْمَتِي ... فَمَنْ سَرَّهُ نَسْلٌ فَإِنَّا بِذَا نَسْلُو

فهنيئا لمن ألّف كتبًا نافعةً تُكسبه هذه الخصال العظيمة, والمنافع

الكثيرة, وهنيئًا لمن كان عونًا لمؤلفّيها, بأيّ شكلٍ من أشكال الدعم والعون.

ولا تلتفت – يا طالب العلم - إلى المخذِّلين, الذين يقللون من أهمية

مؤلفاتك, ويحتقرونها, وهذا الصنف موجود في كلّ مكان وزمان, وقد قيل للإمام

الشافعي رحمه الله: إنك تتعبنا في تأليف الكتب وتصنيفها، والناس لا

يلتفتون إليك, ولا إلى تصنيفك!

فقال لي: إنَّ هذا هو الحق، والحق لا يضيع![93]

***

[91] ذيل طبقات الحنابلة (2/ 141), وقد نقلها عن ابن الجوزي في المقتبس.

[92] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/ 280)

[93] تاريخ دمشق لابن عساكر (51/ 365)

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ١٠٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ١٠٢