3- ((العلم بالله سبحانه وتعالى أجلّ العلوم وأهمها وأولاها بالعناية
والقصد))
بعد أن صححت –يا طالب العلم - قصدك في طلب العلم, ابذل قصارى جهدك في
طلب أهمّ العلوم وأوجبها, ألا وهو العلم بالله تعالى, وقد غفل عنه الكثير
من طلاب العلم, فحُرموا بسبب ذلك خيرًا عظيمًا, وكنزًا ثمينًا.
قال ابن الجوزي رحمه الله: ثبت بالدليل شرف العلم وفضله، إلا أن طلاب
العلم افترقوا، فكلٌّ تدعوه نفسه إلى شيء, فمنهم من أذهب عمره في القراءات،
وذاك تفريط في العمر.. ومنهم من يتشاغل بالنحو وعلله فحسب.. وإنما ينبغي
أن يأخذ من كل علم طرفًا، ثم يهتم بالفقه، ثم ينظر في مقصود العلوم، وهو
المعاملة لله سبحانه، والمعرفة به، والحب له..
ومعرفة المعبود وعظمته، وما يستحقه، والنظر في سير الرسول صلى الله
عليه وسلم وصحابته، والتأدب بآدابهم، وفهم ما نقل عنهم: هو العلم النافع
الذي يدع أعظم العلماء أحقر عند نفسه من أجهل الجهال. ا.ه[11]
فكلَّما ترقى طالب العلم في العلم ومعرفة حق الله عليه, ومعرفة عيوبه,
وقارن حاله بحال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح: ازدرى نفسه
وأيقن أنه مقصر مفرط, فتزكو نفسُه بالتواضع سجيَّةً لا تكلُّفًا, وتعلو همَّتُه في
طلب الرقيّ في العبادة والورع وحسن الخلق والتقوى.
وهذا من أعظم ثمار العلم بالله تعالى.
واعلم أنّ الْعِلْمَ أربعةُ أَقْسَامٍ:
القسم الأول: عِلْمٌ بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ, وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ, وَفِي مِثْلِهِ أَنْزَلَ
اللَّهُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَنَحْوَهُمَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الْعِلْمُ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِمَّا كَانَ مِن الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ, وَمَا
يَكُونُ مِن الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ, وَمَا هُوَ كَائِنُ الْأُمُورِ الْحَاضِرَةِ, وَفِي مِثْلِ هَذَا أَنْزَلَ
اللَّهُ آيَاتِ الْقَصَصِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَصِفَةَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْعِلْمُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُلُوبِ مِنْ
الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ مِنْ مَعَارِفِ الْقُلُوبِ وَأَحْوَالِهَا ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله: كَمَالُ النَّفْسِ لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْعِلْمِ, بَلْ لَا بُدَّ مَعَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ,
وَعِبَادَتِهِ, وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ, فَهَذَا عَمَلُ النَّفْسِ وَإِرَادَتُهَا, وَدَالُّ عِلْمِهَا وَمَعْرِفَتِهَا.
ا.ه[12]
وَالْقِسْمُ الرابع: الْعِلْمُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بالْجَوَارِحِ.
وَهَذَا الْعِلْمُ يَنْدَرِجُ فِيهِ مَا وُجِدَ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ مِن الْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الْأَفْعَالِ
الظَّاهِرَةِ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فَإِنَّ ذَلِكَ جُزْءٌ مِنْ جُزْءٍ مِنْ جُزْءٍ مِنْ
عِلْمِ الدِّينِ. ا.ه[13]
فالذي يعكف على كتب الفقه والأحكام, لم يَحُزْ إلا على الجزء اليسير من
العلم والدين.
فلا ينبغي لطالب العلم أن يقتصر على علمٍ دون علمٍ قدر الإمكان, كمن
يقتصر على علمِ فقه الفروع الفقهية, ويُهْمِل فقه الأصول الإيمانية, والأحوال
القلبية.
"وكلّ علم من العلوم قد يتأتى حفظه ونشره لمنافق أو مبتدع أو مشرك إذا
رغب فيه وحرص عليه؛ لأنه نتيجة الذهن وثمرة العقل, إلا علم الإيمان
واليقين, فإنه لا يتأتى ظهور مشاهدته والكلام في حقائقه إلا لمؤمن
موقن"[14].
ولذلك تجد المستشرقين الكفار قد كتبوا في أكثر العلوم الإسلامية, ولم
يكتب أحدهم في هذا العلم العظيم.
وهذا دليل واضحٌ على فضل علم المعرفة على غيره, وقد ذكر العلماء أنّ
العِلْم بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ هو علم الصديقين, وأن من كان له منه نصيب فهو
من المقربين, وينال درجة أصحاب اليمين.
وإذا عظم علمه بالله ذاق حلاوة الإيمان ولذة الطاعة, قال ابن القيم
رحمه الله: إنّ اللذة تتبع الشعور والمحبة, فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب،
وأشد محبة له, كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم. ا.ه[15]
وأهل العلم الصادقون ينوون في طلبهم للعلم معرفة الله والقرب منه
ورضاه, فلذلك أفلحوا ووُفقوا وسُعدوا, قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي
رحمه الله: كنت إبَّان طلبي في الأقطار، ودرسي آناء الليل والنهار، ولقائي
أولي البصائر والأبصار، لا أمل لي إلاَّ التشوف إلى المقصد الأسنى، المنتحى
في كل معنى، وهو معرفة الله تعالى. ا.ه[16]
وجلّ العلوم لا تُراد لذاتها, بل هي وسيلة إلى غيرها, سوى العلم بالله
تعالى, قال ابن القيم رحمه الله: إِنَّ الْعلم بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته هُوَ أشرف
الْعُلُوم على الإطلاق, وَهُوَ مَطْلُوب لنَفسِهِ مُرَاد لذاته, قَالَ الله تَعَالَى: {الله
الَّذِي خلق سبع سموات وَمن الأرض مِثْلهنَّ يتنزل الأمر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا أن الله
على كل شَيْء قدير وأن الله قد أحاط بِكُل شَيْء علما} فقد أخبر سُبْحَانَهُ أنه خلق
السَّمَوَات وَالْأَرْض وَنزل الأمر بَينهُنَّ ليَعلم عباده أنه بِكُل شَيْء عليم, وعَلى كل
شَيْء قدير, فَهَذَا الْعلم هُوَ غَايَة الْخلق الْمَطْلُوبَة, وَقَالَ تَعَالَى: {فَاعْلَم أنه لَا
إله إلا الله} فالعلم بوحدانيته تَعَالَى وَأَنه لَا إِلَه إلا هُوَ مَطْلُوب لذاته,
وإن كَانَ لَا يكْتَفى بِهِ وَحده, بل لَا بُد مَعَه من عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ, فهما
أمران مطلوبان لأنفسهما:
1- أن يعرف الرب تَعَالَى بأسمائه وَصِفَاته وأفعاله وأحكامه.
2- وأن يعبد بموجبها ومقتضاها.
فَكَمَا أن عِبَادَته مَطْلُوبَة مُرَادة لذاتها, فَكَذَلِك الْعلم بِهِ ومعرفته. ا.ه[17]
وبعض من يَدْرُس كتب العقيدة أو يُدرّسها: لا يتبادر إلى ذهنه إلا العناية
بالعقيدة النظرية العلميّة, ولا شك في أهميتها وفضلها, ولكن قلّ من ضمّ إلى
ذلك العناية بالعقيدة العملية, التي هي الأعمال والأحوال القلبية, من صدق
التوكل على الله تعالى, ومحبته, ورجائه والخوف منه, والإقبال عليه,
والتضحية لأجله.
فتجد من يتقن معنى حبّ الله علمًا نظريًّا, ولا يتقن معنى الحبّ عملًا وحالاً,
فترى قلبه لم يستنر بحب الله محبةً تطغى على كلّ محبوباته, ولم يذق طعم
الأنس به, والرضا به ربًّا سبحانه وتعالى.
وهذا خلل في دراسة العقيدة.
ولو جهل رجل التفاصيل الموجودة في كتب العقيدة, ولم يعرف سوى الفرض
عليه, كمعنى التوحيد, وخطر الشرك ومعناه, ولكنه عالم بالعقيدة العملية,
كإخلاصه لله, وصدقه معه, وتوكله عليه, وبغضه للشرك وأهله, وحبه للتوحيد
وأهله: لسعد ونجح وأفلح ونجى.
ولو كان عالِمًا بالتفاصيل الموجودة في كتب العقيدة, وحفظها, ولكنّ قلّت
عنايتُه بالعقيدة العملية لكان على خطر, وقد يكون علمُه حجةً عليه في عدم
عمله بما علم.
ولعلّ السبب الأعظم – والله أعلم – الذي جعل بعض المسلمين لا يُوفَّق في
الاهتمام بالعقيدة العمليّة, هو عدم إصلاحه لِمَا بينه وبين الله تعالى,
فتجده بارعًا في العلم النظريّ, لكنه مخفقٌ ومقصِّرٌ في التطبيق والعمل, والله
المستعان.
وقد قال بعض السلف: العلم علمان: علمٌ في القلب فذاك العلم النافع، وعلمٌ
على اللسان فذلك حجة الله على خلقه.
وعنايتك – أخي طالب العلم - بجانب العلم بالله سبحانه, له ثمراتٌ وفوائد
كثيرة جدًّا, من أهمّها:
1- أنه السبيل الوحيد لفلاحك ونجاتك في الدنيا والآخرة, فلو جمعت علوم
الدنيا كلّها وجهلت هذا العلم لم تنفعك يوم القيامة.
2- أنه الطريق الصحيح لصلاح قلبك, وسلامته من الأمراض والآفات, التي
ابتُلي بها كثير من الناس.
قال أحد طلاب العلم: "منذ أنْ وقفتُ على كلام أهل العلم في بيان شرف
وأهميّة العلم بالله تغيرت نظرتي تجاه العلم؛ حيث كنت أظنّ العلم هو العلم
النظري, فلذا كنت أستكثر منه, وكنت في غفلة عن صلاح قلبي, والعناية به,
والتعلق بالله, والبحث عن العلم به سبحانه.
أما الآن: فقد اعتنيت بالعلم بالله تعالى, وأصبح أكثر همّي وشغلي هو
صلاح قلبي وسريرتي, تربيةً ومجاهدةً ومحاسبة؛ لأصل للغاية العظمى, وهي معرفة
ربي جل وعلا, وتعظيمُه ومحبتُه". ا.ه
فإذا استنار قلبك بالعلم بالله ومعرفته, خرج منه كلّ تعلّق بالدنيا,
والالتفات إلى الخلق, وحبّ الشهرة, وأصبح همّك رضا الله تعالى والإقبال
إليه.
قال أحد طلاب العلم: كنت في بداية طلب العلم أفرح إذا استفتاني الناس,
وكان من أعظم أمنياتي أنْ أجمع علمًا يؤهلني للفتوى والإجابة على أسئلة
الناس.
وإذا اتصل عليّ سائلٌ وأنا في مجلس, شعرت بالفرح وهم يروني أفتي وأُجيب
على أسئلة الناس, حيث بغلت في العلم منزلة شريفة, جعلت الناس يستفتوني.
قال: وبعد أن منّ ربي عليّ بمعرفته والأنس به: ذهب عني كلّ هذا بحمد الله,
وإذا اتصل عليّ أحد المستفتين طلبتُ منه أن يتصل عليّ بعد الخروج من المجلس,
وأخاطبه بعبارة لا يفهم منها من حولي أنّ المتصل من المستفتين.
***
[11] صيد الخاطر: 344 , 347
[12] مجموع الفتاوى (2/95).
[13] مجموع الفتاوى (11/396-398).
[14] قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد, لأبي طالب المكي (المتوفى: 386هـ) (1/ 294)
[15] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 33)
[16] قانون التأويل: (ص: 454)
[17] مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة: 1/534