تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4- ((التصنيف في وقت مبكر))

ليس عيبًا أن يبدأ طالب العلم في التصنيف في وقت مبكر إذا كان متمكنًا من

العلم الذي يصنف فيه.

فقد ألف العلامة ابن الجزري رحمه الله كتابه (منجد المقرئين) وعمره

اثنان وعشرون عامًا.

وألَّف الحافظ السيوطي رحمه الله ألفية البلاغة المسماة (عقود الجمان في

علم المعاني والبيان ) وعمره ثلاثةٌ وعشرون عامًا, حيث قال:

من عام ثنتين وسبعين الذي ... بعد ثمانمائة للهجرة

وولادته في عام : 849

وألف العلامة منصور البهوتي رحمه الله كتابه: (حاشية منتهى الإرادات)

وعمره ستّةٌ وثلاثون عامًا.

وألف العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله تفسيره وعمره سبعةٌ وثلاثون

عامًا.

وألف أبو حامد الغزالي رحمه الله كتابه (إحياء علوم الدين) قبل أنْ يصل

عمرُه الثامنة والثلاثين عامًا.[94]

وما يدري الإنسان ما يعرض له بعد ذلك, وربما لو أنّ هؤلاء وغيرهم لم

يصنفوا في شبابهم لَمَا تَمَكَّنوا من تصنيف هذه المصنفات بعد ذلك, إما لكثرة

الأشغال, وإما لفتور الهمة في التصنيف, وإما لانصرافهم إلى تصنيف كتب أخرى

غيرها, ولو صنَّفوا هذه المصنفات فقد يكون أسلوبهم وطرحهم أضعف, وصدق

القائل:

بَادِرْ بِخَيْرٍ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا ... فَلَيْسَ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْتَ مُقْتَدِرُ

وما أجمل قاله ابن حزم رحمه الله: الخطأ في الحزم خيرٌ من الخطأ في

التضييع. ا.ه[95]

فلو حزمت مع نفسك فصنفت وبحثت, أو خطبت ونصحت, ثم أخطأت بعدما اجتهدت:

لكان أحسن وأفضل وأكمل من تفريطك في القيام بهذه الأمور العظيمة النافعة,

التي تُثير همّتك, وتخدم أمتك.

فمن أعْظَم الْمَصائبِ على طالب العلم: أنْ يقْدرَ على التَّصْنيف وتتهيَّأ له

أسبابُه, ولا يُبادر إليه حتَّى تضعف همّتُه, أو يتقدّم به العمر, أو تزدحم عليه

الأشغال.

قال الماوردي رحمه الله: يَنْبَغِي لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ابْتِدَاءِ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُعَجِّلَهُ

حَذَرَ فَوَاتِهِ، وَيُبَادِرَ بِهِ خِيفَةَ عَجْزِهِ, وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ فُرَصِ زَمَانِهِ، وَغَنَائِمِ إمْكَانِهِ،

وَلَا يُهْمِلُهُ ثِقَةً بِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَكَمْ وَاثِقٍ بِقُدْرَةٍ فَاتَتْ فَأَعْقَبَتْ نَدَمًا، وَمُعَوِّلٍ عَلَى

مُكْنَةٍ زَالَتْ فَأَوْرَثَتْ خَجَلًا.

وَلَوْ فَطِنَ لِنَوَائِبِ دَهْرِهِ، وَتَحَفَّظَ مِنْ عَوَاقِبِ مَكْرِهِ، لَكَانَتْ مَغَانِمُهُ مَذْخُورَةً،

وَمَغَارِمُهُ مَخْبُورَةً.

قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ[96]: مَنْ أَخَّرَ الْفُرْصَةَ عَنْ وَقْتِهَا فَلْيَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ

فَوْتِهَا.[97]

وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:

إذَا هَبَّتْ رِيَاحُك فَاغْتَنِمْهَا ... فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ

وَلَا تَغْفُلْ عَنْ الْإِحْسَانِ فِيهَا ... فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ

ا.ه[98]

والمؤمن التقي ينبغي أن يُبادر إلى ما يخدم دينه, وينفع المسلمين, ولو

بالكلمة الطيبة, والخطبة الصادقة, والمقالة الناصحة.

ومن صدق مع الله تعالى في حبّه ورغبته في العمل بما يحب, ودعوة الناس

إلى ما يحب الله تعالى, ونشر العلم ونفعهم: رفعه وبارك فيه, ويسر له طرق

الهدى, وهداه لسبل الخير, وسخّر له من يُساعده ويعينه, قال شيخ الإسلام ابن

تيمية رحمه الله: من أحبّ أن يلحق بدرجة الأبرار, ويتشبه بالأخيار, فلينوِ

في كلّ يومٍ تطلع فيه الشمس نفع الخلق, فيما يسّر الله من مصالحهم على يديه.

ا.ه[99]

وقال رحمه الله: على الإنسان أن يكون مقصودُه نفعَ الخلق، والإحسانَ إليهم

مطلقا، وهذا هو الرحمة التي بُعث بها محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوله:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾

والرحمة يحصل بها نفع العباد، فعلى العبد أن يقصد الرحمة والإحسان

والنفع. ا.ه[100]

فإذا علمتَ فجُدْ وإن لم تستطعْ ... فاجْهد بجهدك كلّه أن تنفعا

قال بعض السلف: من فتح له باب من الخير فلينتهزه؛ فإنه لا يدري متى

يُغلق عليه.

لَيْسَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَأَوَانِ ... تَتَهَيَّأْ صَنَائِعُ الْإِحْسَانِ

وَإِذَا أَمْكَنْتَ فَبَادِرْ إِلَيْهَا ... حَذَرًا مِنْ تَعَذُّرِ الْإِمْكَانِ

ولا تحتقر أيّ عمل وعلم يُمكن أن تنفع نفسك وتنفع غيرك به, فإنك لا تدري,

فقد يُبارك الله تعالى لك بالقليل لصدقك, والغالب أن من يزهد بفعل القليل

من الخير سيتثاقل عن فعل الكثير منه, ومن يزهد بنشر القليل من العلم

سيتثاقل عن نشر الكثير منه إذا حصّل ودرس.

وخذ هذا المثال الذي ذكره بعض العلماء ليقرب لك هذا الكلام: هب أنَّ لك

ولداً متعثراً غير مُوفَّق في حياته العملية، فنصحك إخوانك بأنْ تعطيه فرصة،

وتجربه ولو بمشروع صغير في حدود مائة ريال، فلما فعلتَ بدَّد هذا المبلغ ولم

ينتفع به، أتجرؤ على منحه مبلغاً آخر؟

لا, ولو استغلّ هذا المبلغ ونمَّاه لأعطيته أضعافاً.

ولله المثل الأعلى, حينما يُعطيك علمًا قليلا, ثم لا يراك تعمل به بجدّ

وإخلاص, ولا تبلغه لغيرك وتزكيه: فإنه لن يمنحك بركةً فيما علمت, ولن يعلمك

المزيد من العلم النافع, وإن حصّلت مزيدًا من العلم فلربما لا توفق للعمل

به, وحينها تكون على خطر عظيم, ويكون العلم حجة عليك أمام الله تعالى.

فاستثمر – أخي طالب العلم - شبابك ونشاطك في التأليف والكتابة, فهي

مهارةٌ تأتي بكثرة المران والممارسة, فإذا أُهملت صعب تحصيلها.

ولربما بلغ الإنسان مبلغًا كبيرًا في العلم, ولكنه لا ينشط للتأليف ولو

بالقليل, ولا يُحسنه ولا يُجيده؛ لأنه أهمل تنمية هذه المهارة في شبابِه, ولا

شك أنّ أبواب الخير متعدّدة, فمن فُتح له باب منها فليغتنمه ولا يسوّف.

قال ابن الجوزي رحمه الله: ينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر؛ لأن

أوائل العمر زمن الطلب، وآخره كلال الحواس, وربما خان الفهم والعقل من قدر

عمره؛ وإنما يكون التقدير على العادات الغالبة؛ لأنه لا يعلم الغيب.

ا.ه[101]

والتصنيف ليس له عمرٌ مُحددٌ ، وإنما هي العقول متى ما وُفِّقتْ ونضجت أخرجت

ما يستفيد منه الناس, لكنّ الغالب أنّ اكتساب مهارة التصنيف لا يكون إلا في

أوائل العمر وأوسطه.

***

[94] يُنظر: البداية والنهاية 12/225

[95] رسائل ابن حزم (1/ 401).

[96] هو العلامة عبد الحميد بن يحيى بن سعد الأنباري أبو يحيى الكاتب البليغ, قتل: في آخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة. سير أعلام النبلاء (5/ 463)

[97] وكذا قال ابن حزم رحمه الله: قلَّما رأيت أمرًا أَمْكَن فضُيِّع: إلا وفات فلم يُمْكِن بعد. [رسائل ابن حزم (1/ 402)].

[98] أدب الدنيا والدين (ص: 202).

[99] شرح حديث جبريل: 609

[100] جامع المسائل (6/ 37)

[101] صيد الخاطر: 262

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ١٠٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ١٠٧