13- ((طالب العلم المخلص الموفق هو الذي يهتم بنفع الناس, ورحمتهم,
وتحفيزهم))
اعلم – أخي طالب العلم الموفق - أنّ إحسانك للناس بالتعامل الحسن, وبذل
العلم بصدر رحب, والبشاشةَ في وجوههم: أمرٌ متحتّم عليك, وقد قال شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله في قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ
أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: إسلامُ وجهه كما قاله أئمة
التفسير: هو إخلاص دينه وعمله لله, والإحسان هو فعل الحسنات، فاجتمع له أن
عمله خالص، وأنه صالح.
وإذا كان الله قد شرط في مَن له أجرُه عند ربه ولا خوفٌ عليهم ولا هم
يحزنون أن يكون محسنًا مع إسلام وجهه لله: دلَّ بذلك على أن الإحسان شرط في
استحقاق هذا الجزاء، وهذا الجزاء لا يقف إلا على فعل الواجب؛ فإنَّ كل من
أدى الواجب فقد استحق الثواب، ودرأَ العقاب، وذلك يدل على أن الإحسان واجب،
وقد قال تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ), والأمر يقتضي الوجوب.
وقال تعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ)، ومن فَعلَ الواجبَ فما عليه من
سبيل، إنما السبيل على من أساء بتركِ ما أمِرَ به، أوفِعْلِ ما نُهِيَ عنه.
وفي الصحيح[148] عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "إنَّ الله
كتبَ الإحسانَ على كل شيء، فإذا قتلتم فاحسِنوا القِتْلةَ، وإذا ذَبحتم فاحسِنوا
الذِّبحةَ"، ففي هذا الحديث أن الإحسان واجب على كل حال، حتى في حال إزهاق
النفوس، ناطقها وبهيمتها، فَعَلَّمَهُ أن يُحْسِن القتلةَ للَآدميين, والذبحة
للبهائم.
والإحسان الواجب هو فعل الحسنات، وهو أن يكون عمله حسنًا، ليس المراد
بذلك فعل الإحسان التطوع.
وهذا الإحسان في حق الله، وفي حقوق عباده:
- فأما في حق الله: ففعل ما أمره به.
- وأما في حق عباده: ففعل ما أوجب لهم من الإحسان، وترك ما لا يجوز من
الإساءة. ا.ه[149]
فإحسانك ببذل العلم, وحسن التعامل, واهتمامك بمن يسألك ويستفتيك ويطلب
منك مساعدته في إصلاح دينه: أمرٌ واجبٌ عليك, وهو دليل على وجود الرحمة في
قلبك, والراحمون يرحمهم الرحمن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: على الإنسان أن يكون مقصودُه نفعَ
الخلق، والإحسانَ إليهم مطلقا، وهذا هو الرحمة التي بُعث بها محمد - صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
والرحمةُ: يحصل بها نفع العباد، فعلى العبد أن يقصد الرحمة والإحسان
والنفع. ا.ه[150]
وقد ذكر لي رجلٌ بأنه ذهب لأحد طلاب العلم فطلب منه أن يعينه على فهم
بعض المسائل التي يُحسنها, فرفض بحجة أنه مشغول بالبحوث والتأليف!
وذهب آخر إلى أحد طلاب العلم ممن له مكانةٌ وشهرةٌ, فبشّره بأنه بدأ يطلب
العلم, وأنه أصبح يخطب خطب الجمعة, ويلقي بعض الدورات التي فيها منفعة,
فلم يكترث بذلك, ولم يحفّزه, ولم ير منه أيّ تفاعل تجاهه!
وذهب أحد طلاب العلم إلى طالب علم قد سبقه في الطلب, فطلب منه أن يعطيه
رأيه في بحثٍ أعدّه, وأن يرشدَه وينصحَ له, فرفض ذلك, وجاءه بعد ذلك وقد طبع
بحثه فأهداه له فلم يكترث بذلك ولم يُحَفِّزْه!
قال: فضاق صدري, وتعجبت من عدم اكْثراثه لي وقد أتيته مرة طالبًا
المساعدة, ومرةً مبشرًا!
فأين الإحسان, وأين الرحمة, وأين حبُّ الخير للغير؟
إنَّ هؤلاء ونحوهم إنما جاؤوا راغبين في العلم والتعلّم, والدَّعم والتَّحفيز,
فحقّهم أن يُعانوا, ويهتمّ بهم, لا أن يردّوا.
ووالله إنّ مساعدة هؤلاء, والوقوف معهم, وصناعة الإبداع والهمّة في
نفوسهم: خيرٌ من العكوف لساعات مع الكتب بحثًا أو تأليفًا, وصناعةُ طالب علم
حاذق قد يكون خيرًا من تأليفِ عشرات الكتب, وإلقاء العشرات من المحاضرات
والدروس.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على كثرة أشغاله ومؤلَّفاته,
وطلابه وأحبابه, وخصومه وأعدائه, وجهاده بلسانه ويده, إلا إنه كانَ رحمه
الله "لَا يسأم مِمَّن يستفتيه, أَو يسْأَله, بل يُقْبل عَلَيْهِ ببشاشةِ وَجه, ولين
عَرِيكَة, وَيقف مَعَه حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يُفَارِقهُ, كَبِيرًا كَانَ أَو صَغِيرًا, رجلاً أَو
امْرَأَة, حرًّا أَو عبدًا, عَالِمًا أَو عاميًّا, وَلَا يَجْبَهْه[151], وَلَا يُحْرِجْه, وَلَا
ينفِّره بِكَلَامٍ يوحشه, بل يجِيبه, ويفهمه, ويعرفه الْخَطَأ من الصَّوَاب بلطفٍ
وانبساط".[152]
وهذا تلميذُه العلامة ابن القيم رحمه الله يقول عنه الحافظ ابن كثير
رحمه الله: "كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ، كَثِيرَ التَّوَدُّدِ, لَا يَحْسُدُ أَحَدًا, وَلَا يُؤْذِيهِ، وَلَا
يَسْتَعِيبُهُ, وَلَا يَحْقِدُ عَلَى أَحَدٍ".[153]
وكان يقول رحمه الله: لَيْسَ لِلْقَلْبِ أَنْفَعُ مِنْ مُعَامَلَةِ النَّاسِ بِاللُّطْفِ. ا.ه[154]
فارفق – يا طالب العلم – بالناس, وتواضع لهم, وتودّد لهم, واصبر على
أذاهم, وخاصةً طلابك الذين جاؤوا ليستفيدوا من أخلاقك وأدبك قبل علمك.
فكم مِن شيخ صنع طالب علم حمل رايته, ونشر علمه, وبذل واجتهد ونفع الأمة
أكثر من نفع شيخه, وانتفع الناس بكتبه أكثر من كتب شيخه!
فما أجمل أنْ تشكر الناس على محاسن أعمالهم, ولو لم تجن منها فائدةً
لنفسك, فهذا الخُلُقُ لا يتخلق به إلا النفوس الشريفة, كيف وقد سمى الله
تعالى نفسه شاكراً! فقال: ﴿ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾, وقال: {وَكَانَ
اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً}.
قال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله: وَالنُّكْتَةُ فِي اخْتِيَارِ هَذَا التَّعْبِيرِ
تَعْلِيمُنَا الْأَدَبَ ، فَقَدْ عَلَّمَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَذَا أَدَبًا مِنْ أَكْمَلِ الْآدَابِ, بِمَا
سَمَّى إِحْسَانَهُ وَإِنْعَامَهُ عَلَى الْعَامِلِينَ شُكْرًا لَهُمْ, مَعَ أَنَّ عمَلَهُمْ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَدْفَعُ
عَنْهُ ضُرًّا ، فَيَكُونُ إِنْعَامًا عَلَيْهِ وَيَدًا عِنْدَهُ ، وَإِنَّمَا مَنْفَعَتُهُ لَهُمْ ، فَهُوَ فِي
الْحَقِيقَةِ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ, إِذْ هَدَاهُمْ إِلَيْهِ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ ، فَهَلْ يَلِيقُ بِمَنْ يَفْهَمُ
هَذَا الْخِطَابَ الْأَعْلَى, أَنْ يَرَى نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى, وَهُوَ لَا يَشْكُرُهُ
وَلَا يَسْتَعْمِلُ نِعَمَهُ فِيمَا سِيقَتْ لِأَجْلِهِ؟ ثُمَّ هَلْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَرَى بَعْضَ النَّاسِ يُسْدِي
إِلَيْهِ مَعْرُوفًا, ثُمَّ لَا يَشْكُرُهُ وَلَا يُكَافِئُهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فَوْقَ صَاحِبِ الْمَعْرُوفِ
رُتْبَةً وَأَعْلَى مِنْهُ طَبَقَةً؟ فَكَيْفَ وَقَدْ سَمَّى اللهُ تَعَالَى إِنْعَامَهُ عَلَى مَنْ يُحْسِنُونَ إِلَى
أَنْفُسِهِمْ وَإِلَى النَّاسِ شُكْرًا ، وَاللهُ الْخَالِقُ وَهُمُ الْمَخْلُوقُونَ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
وَهُمُ الْفُقَرَاءُ الْمُعْوِزُونَ ؟.
فتَرْكُنَا شُكْرَ النَّاسِ وَتَقْدِيرَ أَعْمَالِهِمْ قَدْرَهَا, سَوَاءٌ كَانَ عَمَلُهُمُ النَّافِعُ مُوَجَّهًا
إِلَيْنَا أَوْ إِلَى غَيْرِنَا مِنَ الْخَلْقِ ، فَهُوَ جِنَايَةٌ مِنَّا عَلَى النَّاسِ وَعَلَى أَنْفُسِنَا ; لِأَنَّ
صَانِعَ الْمَعْرُوفِ إِذَا لَمْ يَلْقَ إِلَّا الْكُفْرَانَ, فَإِنَّ النَّاسَ يَتْرُكُونَ عَمَلَ الْمَعْرُوفِ فِي
الْغَالِبِ ، فَنُحْرَمُ مِنْهُ, وَنَقَعُ مَعَ الْأَكْثَرِينَ فِي ضِدِّهِ فَنَكُونُ مِنَ الْخَاسِرِينَ..
ثُمَّ إِنَّ كُفْرَانَ النِّعَمِ, لَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي نَفْسِ مَنْ عَسَاهُ يُوجَدُ مِنْهُمْ, فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ أَثَرُهُ تَرْكَ السَّعْيِ وَالْعَمَلِ ، كَانَ الْفُتُورَ فِيهِ..
كَذَلِكَ الشُّكْرُ يُؤَثِّرُ فِي إِنْهَاضِ هِمَّةِ أَعْلِيَاءِ الْهِمَّةِ, مِنَ الْمُخْلِصِينَ فِي أَعْمَالِهِمُ,
الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عَلَيْهَا جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ; ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَمَلَهُمُ الْخَيْرَ نَافِعًا
فَيَزِيدُونَ مِنْهُ ، كَمَا أَنَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ ضَائِعًا يَكُفُّونَ عَنْهُ. ا.هـ[155]
وهاهو القائد الأعظم, والرسول الأكرم, الذي كسب بقيمه الرجال, وصنع
بأخلاقه وتشجيعه الأبطال, يُثني ويشكر الناس على محاسن أعمالهم, وفضائل
أفعالهم.
فقد كان – صلوات الله وسلامه عليه - يتلمَّس الصفات الحسنة والمواهب الجليلة في
أصحابه, , فيبرزها ويشكر أصحابها عليها.
فقد نظر في صفاتِ وأخلاقِ أبي بكر – رضي الله عنه - فرأى من أعظمها وأبرزها: حبَّه
للنبي صلى الله عليه وسلم وتضحيته له فقال عنه: إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ
وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ
الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ، لاَ يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ».[156]
ونظر صفاتِ وأخلاقِ عمر - رضي الله عنه - فرأى من أعظمها وأبرزها: قوتَه في
الحق, فقال عنه: «إِيهًا يَا ابْنَ الخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا
فَجًّا قَطُّ، إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ».[157]
ونظر في صفاتِ وأخلاقِ عثمان - رضي الله عنه - فرأى من أعظمها وأبرزها: الحياءَ,
فقال عنه: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ».[158]
ونظر في صفاتِ وأخلاقِ عليّ - رضي الله عنه - فرأى من أعظمها وأبرزها: حبَّه لله
وسوله, وحبَّ الله ورسولِه له, فقال عنه: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ،
وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ».[159]
ونظر في صفاتِ وأخلاقِ أبي هريرة - رضي الله عنه - فرأى من أعظمها وأبرزها: حِرْصه
عَلَى طلب الحَدِيثِ فقال عنه - حينما سأله عنْ أَسْعَدِ النَّاسِ بِشَفَاعَتِه يَوْمَ القِيَامَةِ -:
لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ
حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ. [160]
ونظر في صفاتِ وأخلاقِ خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فرأى من أعظمها وأبرزها:
إقدامَه وبسالته في الجهاد, فقال عنه: "سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ".[161]
ونظر في صفاتِ وأخلاقِ أحد أصحابه فرأى من أعظمها وأبرزها: الْحِلْم، وَالْأَنَاة, فقال
عنه: "إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْم، وَالْأَنَاة".[162]
وقال عن فاطمة - رضي الله عنه -: "سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ".[163]
وقال عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ،
فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ».[164]
وقال لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رضي الله عنه -: «لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ».[165]
وَقَالَ لِجَعْفَر بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي».[166]
ولذلك: خرج جيلٌ قاد الأمم, ووصل في سموّ أخلاقة وهمّته إلى أعلى القمم, وفتحوا
البلاد شرقًا وغربًا, وشمالاً وجنوبًا.
فإذا أردت أن تصنع من طلابك قادةً أذكياء نجباء, وأن ترفع همم وعزائم مَن حولك
من الأصدقاء والأقارب والأهل حتى تناطح السحاب: فتلمَّس الصفات الحسنة فيهم,
وأبرزْها واشكرهم عليها, واجتهد في تطويرها وثباتها.
فربما كانت في أحدهم صفة عظيمة لم يُلْق لها بالاً, ولكن حينما تبرزها وتذكرها
له, وتشكره عليها: يلتفت إليها, ويبدأ في تطويرها والعناية بها, حتى يتنفع بها
هو وغيره انتفاعًا عظيمًا.
وهذا من أعظم المعروف الذي جاءت الشريعة بالحث عليه, قال النبي صلى الله عليه
وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلِق». رواه مسلم[167]
فلا تحتقر كلمةً تبذلها لأخيك؛ تحمل في طياتها تحفيزًا على خير، وتنبيهًا على صفة
وخلق عظيم؛ فربما أجرى الله تعالى خيرًا كثيرًا من جرّاء هذه الكلمة.
فقد ألّف البخاري صحيحه بسبب كلمةٍ سمعها من شيخِه إسحاقَ بن راهويه حين قال: (لو
أن أحدكم يجمع كتاباً فيما صح من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم) قال البخاري:
(فوقع ذلك في نفسي) فألّف كتابه الصحيح الذي هو أصح كتاب على وجه الأرض بعد
كتاب الله.
وانصرف إمام المحدثين في زمانه الحافظُ الذهبي لعلم الحديث بسبب كلمةٍ سمعها من
شيخه البرزالي، قال الذهبي ـ رحمه الله ـ عن شيخه البرزالي: (هو الذي حبّب إليّ
طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال: خطّك يشبه خط المحدثين! فأثّر قوله فيّ).
ا.ه[168]
واسأل نفسك يا طالب العلم: متى رأيت صفة في أحد من الناس فمدحته عليها؟
فهل يعقل أنَّ من حولك ومن تخالطهم لا تُوجد عندهم صفات وأخلاق بارزة؟ هذا لا
يعقل.
وإن كنت ترى وتكتم, فهو عيب فيك, وقد يدل على حسد في القلب.
فينبغي عليك أن تتلمّس فيمن حولك من أقارب, وأولاد, وأصدقاء, وطلاب, الصفات
الحسنة, والقيم النبيلة, فتبرزها لهم, وتشكرهم عليها.
[148] مسلم (1955) عن شداد بن أوس رضي الله عنه.
[149] جامع المسائل لابن تيمية (6/ 26- 34)
[150] جامع المسائل لابن تيمية (6/ 26- 34)
[151] أي: لم يستقبله بكلام فيه غِلَظ وجفاء.
[152] الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية, للبزَّار (ص: 50).
[153] البداية والنهاية (14/ 270)
[154] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 478)
[155] تفسير المنار 2/41-42
[156] رواه البخاري (466), ومسلم (2382).
[157] رواه البخاري (3294), ومسلم (2396).
[158] رواه مسلم (2401).
[159] رواه البخاري (2942), ومسلم (2404).
[160] رواه البخاري (99).
[161] رواه البخاري (3757).
[162] رواه مسلم (17).
[163] رواه البخاري (6285), ومسلم (2450).
[164] رواه الإمام احمد (35), وابن ماجه (138).
[165] رواه مسلم (810).
[166] رواه البخاري (2699).
[167] (2626).
[168] ثلاث تراجم نفيسة للأئمة الأعلام للذهبي (ص: 40)