تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8- ((كتب مقترحة لطالب العلم))

لا يطلق على أحد أنه طالب علم إلا إذا كان مطلعًا وملمًّا بأغلب فنون

العلم الشرعي, ومن كان متخصصا بفنّ أو فنين, فهو طالب علم متخصص.

ومن الخطأ التوسع في بداية طلب العلم في القراءة في كلّ فنّ, وكم أدَّى هذا

التوسع بكثير من طلاب العلم إلى:

1- التشتت والاضطراب.

2- الملل والسآمة.

3- ضعف التحصيل العلميّ.

وكان الأجدر بهم أن يقتصروا على أمهات الكتب في كلّ فنّ, ويضبطوها

ويراجعوها ويُحكموها, ثم يتوسعون بعد ذلك شيئًا فشيئًا.

وهناك كتب لا يستغني طالب العلم عن قراءتها وفهمها ومراجعتها, وهذه

الكتب – بمشيئة الله تعالى – تكون سببًا في:

1- نضجه ونبوغه.

2- وصلاح قلبه وخلوّه من الأمراض.

3- وصحة منهجه وسلوكه الجادة الصحيحة في الطلب.

4- ورسوخِه وقدرتِه على التأليف.

وهذه الكتب عامة لكل طالب علم, ومن أراد التخصص في أحد هذه الفنون

فعليه بالتوسع.

ففي التوحيد: ثلاثة الأصول وأدلتها، والقواعد الأربع، ثم كشف الشبهات،

ثم كتاب التوحيد؛ أربعتها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، مع

شروحها, هذا في توحيد العبادة.

وفي توحيد الأسماء والصفات: العقيدة الواسطيه، ثم الحموية؛ لشيخ

الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، مع شرحيها, ثم الطحاوية مع شرحها.

وفي أصول التفسير: المقدمة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, مع

شرحها.

وفي التفسير: زبدة التفسير للشيخ سليمان الأشقر رحمه الله تعالى, ثم

تفسير السعدي رحمه الله تعالى, ثم تهذيب تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى,

(المصباح المنير).

وفي المصطلح: نخبة الفكر لابن حجر, والمنظومة البيقونية, مع شرحيها.

وفي الحديث: الأربعين" للنووي، ثم عمدة الأحكام للمقدسي، ثم بلوغ

المرام لابن حجر، مع شروحها, ثم صحيح مسلم مع شرح القرطبي, ثم صحيح

البخاري, مع شرح ابن بطال وهو مختصر مفيد, وشرح ابن حجر أشمل وأوسع.

وفي السلوك وأعمال القلوب: مدارج السالكين, لابن القيم رحمه الله تعالى

(أو تهذيبه), وتهذيب إحياء علوم الدين للشيخ صالح الشامي.

وفي السيرة النبوية: مختصرها للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى

، ثم الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى, ثم زاد

المعاد لابن القيم رحمه الله تعالى.

وفي آثار السلف الصالح: يقرأ الكتب المعتنية بذلك, وقد جُمعت وحققت وعلّق

عليها في كتاب: حياة السلف بين القول والعمل, في طبعته الثالثة.

وفي التاريخ: البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى.

وفي الأدب: كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى, وعيون الأخبار

لابن قتيبة رحمه الله تعالى.

وفي النحو: الآجرومية، مع شرحها, ثم ملحة الإعراب للحريري, أو قطر

الندى لابن هشام.

مع تطبيق عمليٍّ للنحو؛ وذلك بقراءة كتب الإعراب, ومن أفضلها كتب إعراب

القرآن, حيث يبدأ الطالب بسورة الفاتحة, ثم يعرب بنفسه, ثم ينظر إلى كتب

الإعراب, للتأكد من صحة إعرابه.

وفي لسان العرب: العناية بأشعارها، وفهم معانيها وألفاظها, ويبدأ

بديوان الشافعي, ثم ديوان المتنبي, ثم ديوان أحمد شوقي, ومن أراد التوسع

فعليه بديوان الحماسة, ثم بالمعلقات..

وفي الفوائد المتنوعة والخواطر: الفوائد لابن القيم رحمه الله تعالى,

وصيد الخاطر لابن الجوزي رحمه الله تعالى, ورسائل ابن حزم رحمه الله

تعالى.

وفي الفقه: آداب المشي إلى الصلاة للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله

تعالى ، ثم زاد المستنقع للحجاوي رحمه الله تعالى، مع شرح الشيخ صالح

الفوزان, ومن أراد التوسع فعليه بالشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين رحمه الله

تعالى.

وفي أصول الفقه: الورقات للجويني رحمه الله تعالى، مع شرحها.

وفي الفرائض: الرحبية، مع شرحها.

وفي الفتاوى: فتاوى ابن عثيمين رحمه الله تعالى.

ثم ينتقل إلى كتب الحافظ ابن رجب رحمه الله, وكتب العلامة ابن القيم

رحمه الله, ويقرؤها على الترتيب:

1- كتب الحافظ ابن رجب رحمه الله, (الجامع المنتخب, ثم رسائل ابن رجب,

ثم جامع العلوم والحكم).

2- كتب العلامة ابن القيم رحمه الله, (الجواب الكافي, ثم مفتاح دار

السعادة, ثم إغاثة اللهفان, ثم طريق الهجرتين).

ثم يبدأ بعدها بقراءة كتب شيخ الإسلام: رفع الملام, ثم قاعدة في التوسل

والوسيلة, ثم قاعدة في المحبة, ثم العبودية, ثم تهذيب اقتضاء الصرط

المستقيم, ثم جامع المسائل (9 مجلدات).

ولكتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مزايا جليلة, فهي تغّذي

الحياة الإيمانية, وتنقل قارئها من الحياة الدنيا والتعلق بها, إلى الحياة

الآخرة والتعلق بها, ويذوق طعم القراءة ومتعة الخلوة, ولذة الحياة, وتصنع

العقول, وتزيل الشكوك, وتُثير الهمّة, وتقوي العزيمة.

فيا خسارة من زهد فيها, ولم يُكثر قراءتها, وجعلها زينةً لمكتبته فحسب,

ولم يجعلها غذاءً لقلبه وعقله, ودواءً لأمراض الجهل والقلب.

ويبدأ طالب العلم بقراءة هذه الفنون حسب الترتيب الذي ذكرته, حيث يعتني

في البداية في العقيدة, ثم بكلام الله, ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه

وسلم, ثم بتصحيح مقصده وسلوكه ونيته وأخلاقه, ثم يقف على سيرة نبينا

وقدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم يقف على هدي وحياة سلفنا الصالح

رحمهم الله, ثم يتوسع في معرفة تاريخ الأنبياء جميعًا مفصلة منقحة, مع

تاريخ الصحابة رضي الله عنهم, وتاريخ تابعيهم ومن جاء بعدهم, ففي التاريخ

عبرة وعظة لألي الألباب, ثم ينتقل إلى تصحيح لسانه وكتابته, بقراءة كتب

الأدب والشعر والنحو, ثم يأخذ قسطًا من الراحة والإجمام المفيد, فيقرأ في

الفوائد والخواطر النافعة المتنوعة, ثم يعتني بالفقه وأصوله, وهو علم لا

يجوز أن يمهمله طالب العلم, ثم يقرأ في فتاوى العلماء الراسخين, ثم ينتقل

إلى الكتب الجامعة بين هذه العلوم كلها, وهي كتب الأئمة: ابن رجب, ثم ابن

القيم, ثم ابن تيمية, رحمهم الله تعالى.

هذه هي المنهجيّة الصحيحة في التدرج, فكم ستُخرّج لنا طلابًا متمكّنين

مُؤصّلين, يستطيعون- بمشيئة الله تعالى- باستيعابهم لهذه الكتب أنْ يُلْقوا

المحاضرات النافعة, ويُدرّسوا العلوم المختلفة, ويخدموا أُمتهم ومُجتمعهم.

ولو قارنّا بين صاحب القراءة الشموليّة وبين المتخصص بفنّ معيّن, لوجدنا

الفرق كبيرًا.

فصاحب القراءة الشموليّة يستطيع تأليف أيّ كتابٍ, وبحث أي مسألة, بخلاف

غيرِه.

صاحب القراءة الشموليّة يستطيع التصدّر للإفتاء والإجابة عن أي سؤالٍ- إلا

ما شاء الله- بخلاف غيرِه.

صاحب القراءة الشموليّة يُنتفع بكتبه وبحوثه؛ لأنه يهتمّ بما ينفع عموم

الناس, بخلاف المتخصص بفنّ معيّن, فهو لا يُؤلف ولا يبحث - غالبًا- إلا في مجال

تخصّصه, ويتناول دقائق المسائل التي لا ينتفع بها إلا بعض المتخصصين في علمِه.

فلو أعدت - يا طالب العلم - ترتيب الأولويات في العلوم التي تعتني بها

وتقْرؤها, فبدأت بما يَنْبَني عليه عملُك وصلاح إيمانك وقلبك وأخلاقك, وجعلتها

الأهم عندك, وعزَمْت على العمل: لأمدّك اللهُ تعالى ببركةٍ عظيمةٍ في العلم الذي

حصّلْته, وأعانك على تحصيلِ وفَهْمِ عُلوم لولا هذا البركة لَمَا قدرت عليها.

وهكذا كان حال الصحابة ومن تبعهم رضي الله عنهم, يتقصّدون الأهمّ فالأهمّ من

العلم والعمل, فأفلحوا وارْتفعوا.

قال ابن الجوزي رحمه الله: لو اتَّسع العمر لمعرفة الكلِّ كان حسنًا, ولكنَّ العمرَ

قصير, فينبغي إيثار الأهمِّ والأفضل. ا.ه[24]

واعلم أنّ الكتب نوعان:

١-كتب مؤْنسة، ككتب التاريخ والأدب ونحوها.

2-كتب مؤصِّلة، ككتب العقيدة والحديث والتفسير والمتون العلمية، وشروحاتها.

فمن انشغل بالأولى حرم التأصيل والنبوغ والقوة العلمية، وهي كالملح في

الطعام، فلا تكثر منها.

واجعل شغلك الشاغل في الثانية، وأعط بعض وقتك للأولى.

***

9- (أنواع قُرّاء العلوم النافعة)

قُرّاء العلوم النافعة أربعة أنواع:

1- يقرأ ليستمتع.

2- يقرأ ليستفيد.

3- يقرأ ليُفيد.

4- يقرأ ليستفيد ويُفيد.

النوع الأول: لا يخرج بنتيجة كبيرةٍ, سوى قضاء الوقت بما لا يضرّ, بل إنَّ

عِلْمه سيكون حجةً عليه إن لم يعمل به.

النوع الثاني: قراءته تعينه على العلم والرسوخ العلمي النظري, ولكن

يُلحَظ على أصحابِ هذا النوع التقصير الكبير في نفعِ الناس, وتزكيةِ العلم,

ونشرِه بينهم.

النوع الثالث: قراءته للنفع, وذلك لحبِّه لنشر علمِه, وإفادةِ الآخرين,

ولكن – للأسف – لا يعود على أصحابِ هذا النوع أثرُ علمهم على أنفسهم في

العبادةِ خصوصًا, ويُؤخذ عليه تتبع غرائب العلم, وشواذّ الأقوال, وفقرٌ لمدح

الناس وإعجابهم.

النوع الرابع: هو العالم الراسخ, والعامل الصالح, وهو الذي ينتفع وينفع

بما يقرأ, وهو في جهاد وعبادة ما دام بين كتبه يقلّبها لأجل أن يتعلّم ليعمل

ويُعلّم, وهو الذي يثبت عند الفتن والأزمات, وتنتفع الأمة بعلمه وأخلاقه,

وهو من الذين يُقتدى بهم.

وهذا وأمثاله هم الصادقون في طلبهم للعلم, المخلصون لله في العمل به

ونشره, ويجدون في العلم من اللذة والأنس ما لا يجده أهل الدنيا بدنياهم

مهما أوتوا وأُعطوا.

فهؤلاء هم العلماءُ العاملون الْمُباركون الربّانيُّون, نسأل الله تعالى أنْ

يُلحقنا بركابهم, وأن يُبوِّئنا مثل منازلهم.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: إنَّ السلف مجمعون على أنّ العالم لا

يستحق أن يسمى ربانيًّا حتى يَعرف الحق ويعمل به ويعلِّمه، فمن عَلِم وعَمِل وعَلَّم

فذاك يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات. ا.ه[25]

ومن بديعِ ما قاله أحدُ السلف: العلماء ثلاثة:

1- رجل عاش بعلمه وعاش به الناس.

2- ورجل عاش بعلمه ولم يعش به الناس.

3- ورجل عاش بعلمه الناس وهلك هو.

***

10- (كيف يعرف القارئ أنه جادّ في القراءة؟)

قراءة المتعة: هي القراءة لأجل قضاء الوقت, والاستمتاع بما يقرأ, ولا

ينوي صاحبُها بقراءته العمل وتغيير حاله إلى الأفضل.

وإذا أردت أن تعرف أنك جادّ في القراءة وأنها تقودك نحو الرسوخ

والفائدة الكبيرة فخذ هذا المعيار:

إذا كانت قراءتك مجرّد متعة ولذة: فقراءتك قراءة ثقافة, وحفظِ وقتٍ فحسب.

وإذا كان مع لذتك تمرُّ بك أوقات كثيرة لا تجد فيها المتعة, وإنما تجد

الصعوبة, فتصبر لأجل ما يعقبها من الفوائد الكبيرة: فقراءتك قراءةٌ جادّة -

غالبًا - وتقودك نحو الرسوخ.

فاجعل منهجك:

(سأقرأ لأستفيد وأُفيد, ولن أقرأ لأستمتع وأقضي وقتي فحسب).

ولن تتمكنّ من ذلك – بعد توفيق الله – إلا بالجد والحزم والهمّة العالية.

قال ابن الجوزي رحمه الله: من أعمل فكره الصافي؛ دلّه على طلب أشرف

المقامات، ونهاه عن الرضا بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي:

ولم أر في عيوب الناس عيبًا ... كنقص القادرين على التمام

فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه, فلو كان يتصور للآدمي صعود

السماوات، لرأيتُ من أقبح النقائص رضاه بالأرض.

والسيرة الجميلة عند الحكماء: خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها

في العلم والعمل.

واعلم أنك في ميدان سباق، والأوقات تُنْتَهب، ولا تخلد إلى كسل، فما فات

مَن فات إلا بالكسل، ولا نال مَن نال إلا بالجدّ والعزم. ا.ه[26]

وقال أحد المشايخ وفقه الله: تأملتُ في حال جماعة كبيرة من طلاب العلم

من مختلف الطبقات, فتبيّن لي أنّ أكثر الآفات ضررًا عليهم: الكسل وعدم

الاجتهاد في الطلب, فهذه الآفة لا ينفع معها: ذكاء ولا ذاكرة ولا نباهة

ولا أيّ شيء. ا.ه

فلقد أكرمك الله تعالى – يا طالب العلم – بأن اصطفاك, وجعل العلم

الشرعي النافع شغلك الشاغل, فلا تضيّع هذه الكرامة بالتقصير والكسل.

قال الإمام أحمد رحمه الله: الْعلم مواهب من الله, لَيْسَ كلُّ أحدٍ يَنَالهُ.

ا.ه[27]

إنَّ الْفضائلَ لا تُنال براحةٍ ... كلا ولا يحظى بها الكسلانُ

***

[24] تلبيس إبليس: 137

[25] زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 9)

[26] صيد الخاطر (ص: 173-175).

[27] طبقات الحنابلة (1/ 323)

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ٢٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ٢٦