تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13- ((كيف يصنف فلانٌ من الناس الكتب, وفيهم من هو أعلم منه ومع ذلك لم

يؤلفوا؟))

قد تتساءل وتقول: كيف يصنف فلانٌ من الناس هذه الكتب والأبحاث, وينشرها

بين الناس, وفيهم من هو أعلم منه وأفهم وأحفظ وأتقن, ومع ذلك لم يؤلفوا

ويكتبوا؟

والحق أنْ يُقال: هذا جهده, وهذا ما يدين الله به, ويشعر أنه مؤتمن على

علمه, وأنه من أوجب الواجبات عليه أن ينشر علمه حسب طاقته, وما عليه من

فلان وفلان, فقد تكون لهم أعذار لا يعلمها, فلن يكتم علمه حتى يرى مَن هو

أعلم منه قد نشر كتبه ومؤلفاته.

وقد قال أبو حيان في كتابه البصائر والذخائر: (هذا الكتاب قد جعلته

خزانة لنفسي ، ومرجعاً لدرسي ، ففي نظرائي وأشكالي من فهمه أثبت من فهمي ،

وذهنه أنفذ من ذهني ، وحفظه أغزر من حفظي ، وقلبه أذكى من قلبي ، لكني

آثرت أن يكون لي فيمن دوني أثر ، كما كان لمن فوقي عندي أثر). ا.ه[119]

وقال أَبو مُحَمَّد ابن حَزْمٍ رحمه الله: الْحَظُّ لِمَنْ آثَرَ الْعِلْمَ وَعَرَفَ فَضْلَهُ أَنْ

يَسْتَعْمِلَهُ جُهْدَهُ, وَيُقْرِئَهُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ, وَيُحَقِّقَهُ مَا أَمْكَنَهُ، بَلْ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَهْتِفَ

بِهِ عَلَى قَوَارِعِ طُرُقِ الْمَارَّةِ ويدعو إليه في شوارع السَّابِلَةِ وَيُنَادِي عَلَيْهِ فِي

مَجَامِعِ السَّيَّارَةِ، بَلْ لَوْ تَيَسَّرَ لَهُ أَنْ يَهَبَ الْمَالَ لِطُلَّابِهِ, وَيُجْرِيَ الْأُجُورَ

لِمُقْتَبِسِيهِ, وَيُعْظِمَ الْأَجْعَالَ لِلْبَاحِثِينَ عَنْهُ, صَابِرًا فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَالْأَذَى:

لَكَانَ ذَلِكَ حَظًّا جَزِيلًا, وَعَمَلًا جَيِّدًا, وَسَعْيًا كَرِيمًا, وَإِحْيَاءً لِلْعِلْمِ، وَإِلَّا فَقَدَ دَرَسَ

وَطُمِسَ, وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا آثَارٌ لَطِيفَةٌ, وَأَعْلَامٌ دَائِرَةٌ. ا.ه[120]

***

[119] 7/ 269

[120] رسائل ابن حزم: 1/ 101

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ١٣٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ١٣٥