15- ((لفتةٌ حول قراءة المطولات من كتب أهل العلم))
كثيرٌ من طلاب العلم - أو أكثرهم - لم يقرؤوا الكتب المطوَّلةَ من كتب أهل
العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, وخاصة مجموع الفتاوى, وذلك
لصعوبتها وطولها.
ولو أنهم – بعد زمن من التحصيل وطلب العلم – استعانوا بالله تعالى,
وقرؤها, وصبروا عليها: لخرجوا بفوائد عظيمة جدًّا, ومن بينها:
الفائدةُ الأولى: أنّ هذه المجلدات الضخمة على كثرتها وصعوبتها, والتي
يستصعبها بعض العلماء, فضلا عن طلاب العلم, سييسّرها الله تعالى إذا شرعت
بقراءتها, ولن تجد الصعوبة التي كنت تتخيلها فيها, بل ستجدها سهلةً يسيرة
في الغالب.
الفائدةُ الثانية: أنك ستتقاصر طول أيّ كتاب بعدها, وقد كنت تنظر – قبل
قراءتها - إلى بعض الكتب المطولة على أنه من المستحيل قراءتها؛ لطولها
وصعوبتها.
الفائدةُ الثالثة: التمكين في العلم, قال ابن الجهم: ما قرأتُ قط كتابًا
كبيًرا فأخلاني من فائدة، وما أحصي كم قرأتُ من صغار الكتب فخرجتُ منها كما
دخلتُ. ا.ه[36]
فإن الكتب المختصرة, والمتون الصغيرة ولو مع شرحها لا تُخرج طالب علم
متمكن مُؤصل, قادر على الإفتاء في النوازل, واستنباط الأحكام من الأدلة
الشرعية.
الفائدةُ الثالثة: أنَّ نفسك ستتصاغر عندك؛ وذلك حينما تقف على علم وهمةِ
هؤلاء العلماء العظماء.
وستتعلم من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على وجه الخصوص روح
التواضع وهضم النفس, وعدم الاغترار بالألقاب والأسماء, فقدر الإنسان
الحقيقيّ ليس بمنصبه, ولا بما يُقال عنه؛ لأنه أعرف من الناس بنفسه.
قال ابن القيم رحمه الله: الْعَارِفُ مَنْ صَغُرَتْ حَسَنَاتُهُ فِي عَيْنِهِ، وَعَظُمَتْ ذُنُوبُهُ
عِنْدَهُ، وَكُلَّمَا صَغُرَتِ الْحَسَنَاتُ فِي عَيْنِكَ كَبُرَتْ عِنْدَ اللَّهِ، وَكُلَّمَا كَبُرَتْ وَعَظُمَتْ فِي
قَلْبِكَ قَلَّتْ وَصَغُرَتْ عِنْدَ اللَّهِ، وَسَيِّئَاتُكَ بِالْعَكْسِ، وَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَحَقَّهُ وَمَا يَنْبَغِي
لِعَظَمَتِهِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ تَلَاشَتْ حَسَنَاتُهُ عِنْدَهُ، وَصَغُرَتْ جِدًّا فِي عَيْنِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ
مِمَّا يَنْجُو بِهَا مِنْ عَذَابِهِ، وَأَنَّ الَّذِي يَلِيقُ بِعِزَّتِهِ، وَيَصْلُحُ لَهُ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ أَمْرٌ
آخَرُ، وَكُلَّمَا اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَقَلَّهَا وَاسْتَصْغَرَهَا، لِأَنَّهُ كُلَّمَا اسْتَكْثَرَ مِنْهَا فُتِحَتْ لَهُ
أَبْوَابُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ، فَشَاهَدَ قَلْبُهُ مِنْ عَظَمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَجَلَالِهِ مَا
يَسْتَصْغِرُ مَعَهُ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ، وَلَوْ كَانَتْ أَعْمَالَ الثَّقَلَيْنِ، وَإِذَا كَثُرَتْ فِي عَيْنِهِ وَعَظُمَتْ
دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنِ اللَّهِ، غَيْرُ عَارِفٍ بِهِ وَبِمَا يَنْبَغِي لَهُ، وَبِحَسَبِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ
وَمَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ يَسْتَكْثِرُ ذُنُوبَهُ وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِهِ؛ لِمُشَاهَدَتِهِ الْحَقَّ وَمُسْتَحَقَّهُ،
وَتَقْصِيرِهِ فِي الْقِيَامِ بِهِ، وَإِيقَاعِهِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ الْمُوَافِقِ لِمَا يُحِبُّهُ الرَّبُّ
وَيَرْضَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. ا.ه[37]
فهذه الفوائد النفيسة وغيرها تشحذ همة طالب العلم الموفق لقراءة الكتبِ
الْمُطوّلةِ, ولكن بعد طول قراءة في المختصرات, وحضور دروس العلم, واستشارة
أهل الخبرة الناصحين.
واعلم أنّ قراءةَ الكتبِ الْمُطوّلةِ كصعود الجبل الشاهق, متى ما نظرت إلى
قمّته أُحبطت وفترت, ومتى ما اهتممت بموضع قدميك صعدت بنشاط وأمل وسعادة.
فالذي يصعد الجبل لا ينظر إلى القمة حتى لا يُصاب بالإحباط, ويشعر
بصعوبة الصعود, وينتابه الخوف من السقوط, بل ينبغي له أنْ ينظر إلى موطئ
قدمه, ويُحدث نفسه بقرب الوصول, ويعيش لحظات سيره, ولا يحمل همّ وصوله, فما
هي إلا خطوات قليلة حتى يصل للقمة.
وهكذا ينبغي لِمَن يقرأ المطولات أنْ يستمتع بأُولى الصفحات, ويُنهي الصفحة
تلو الصفحة ويعيش معها, ويستمتع بالمعلومات التي يمر عليها, ولا ينظر إلى
المجلد الذي يليه حتى يُنهي المجلد الأول, وهكذا يعيش طوال أيام قراءته
بسعادة وراحة ولذة, وما هي إلا أيام قليلة - مُقارنة بعمره إن مدّ الله به-
حتى يُنهي عشرات المجلدات, ويكتسبَ العلم والفهم والتمكين بحول الله تعالى.
فعش لحظات القراءة, ولا تحمل همَّ النهاية.
***
[36] الحيوان للجاحظ 1/ 54
[37] مدارج السالكين 1/277