6- ((طريقة مجربة لضبط القرآن))
من الطرق التي تعين على ضبط مراجعة القرآن: أنْ تحفظ كلّ يوم نصف جزء بلا
خطأ ولا تردد, ثم تضيف له من الغدِ نصفًا آخر, إلى أن تصل إلى أربعة أجزاء, ثم
تترك النصف الأول من الأسفل, وتأخذ نصفًا من الأعلى, ثم تستمرّ بهذه الطريقة
حتى تختم القرآن.
وسوف تكرر كل وجه مراجعةً حفظًا ثمان مرات على الأقل, ولا شك أنّ هذا التكرار
سيرسخ القرآن في صدرك.
وإذا وجدت صعوبة في ذلك: فقلل مقدار الحفظ إلى ربع جزء, أو إلى ثمنٍ فقط,
وزد كلّ يوم حتى تصل إلى أربعة أجزاء, ثم إذا تجاوزت ذلك فأسقط مقداره مما
حفظت أولاً.
فإن كنت ستحفظ كلَّ يوم نصف جزء, فستختم القرآن في شهرين بضبط تامّ, وإن كنت
ستحفظ ربع جزء فستختم في أربعة أشهر.
فمثلا: حفظت اليوم وجهين من سورة البقرة, وغدا ستحفظ وجهين من الجديد, مع
الوجهين السابقين, وبعد غد ستقرأ ستة أوجه: وجهين جديدين, وأربعة أوجه
مراجعة, إلى أن تصل إلى أربعة أجزاء, ثم إذا بدأت بالوجهين الجديدين من الجزء
الخامس, تركت أول وجهين من سورة البقرة, واستمر على هذه الطريقة بجدّ وحزم حتى
تختم القرآن.
ثم بعد ختمك له ابدأ بمراجعة أربعة أو ثلاثة أجزاء كل يوم, وسوف ترى أمرًا
عجبًا, وهو أنّك ستمر على بعض الأوجه والسور التي كنت تعاني منها قبل ذلك,
وتشكو من صعوبتها, فإذا مررت عليها وجدتها أسهل ما يكون, وكأنك تقرؤها من
المصحف, وستشعر حينها بانشراح الصدر, والسعادة, والشعور بالعزة, حيث تغلّبت
على هواك وعلى الشيطان, وستشعر بانتماء عظيم للقرآن, وحبّ شديد لكثرة ختمه.
فيا سعادة من جرب هذه الطريقة المباركة النافعة.
واقرأ ما حفظت من الجديد في قيام الليل, وإن علت همتك فجعلت حزبك جزءًا
فهذا أكمل, وعلى هذا فاقرأ في قيام الليل النصف الجديد والذي قبله, وهكذا كلَّ
يوم حتى تختم بإذن الله تعالى وحوله وقوته, وداوم على جزء أو نصف جزء على
الأقل كلَّ ليلة.
فقراءته في قيام الليل تثبيتٌ له في صدرك, ولذّة وسعادة لا تُوصف.
قال الشَّيْخِ محمد الأمين الشنقيطي - رَحْمَه اللَّهِ تَعَالَى -: لَا يُثَبِّتُ الْقُرْآنَ فِي
الصَّدْرِ، وَلَا يُسَهِّلُ حِفْظَهُ وَيُيَسِّرُ فَهْمَهُ إِلَّا الْقِيَامُ بِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. ا.ه[22]
ومن أعظم الفوائد من ضبط القرآن:
1- قراءته في قيام الليل عن ظهر قلب, ولقراءته عن ظهر قلب شعور عجيب, وأنس
غامر.
2- قراءته في الطريق وفي كل مكان عن ظهر قلب, وهذا مما يخفف عليك همّ السفر
والذهاب لقضاء أشغالك أو أشغال أهلك, حيث تبدأ بقراءةِ حزبك من حين خروجك من
بيتك إلى أن ترجع, فلا ترى أنّ وقتك قد ضاع منه شيءٌ.
وقد كان السفر شاقًّا على كثير من طلاب العلم والمشايخ, وحينما حفظوا القرآن
زال عنهم همّ السفر؛ لأنهم يستغلون طريقهم وتنقلهم بالتغني بكلام الله تعالى
ومراجعته.
ولا يتأتى ذلك بقراءته, ومن ذاق لذة القرآن بقراءته من المصحف ستزداد لذته
بقراءته حفظًا أضعافًا مضاعفة.
3- استشهادك به في كلامك ودروسك وخطبك, وسوف يجد طالب العلم والداعي إلى
الله في القرآن من الأدلة التي ستكون حاضرة في ذهنه في كل موضوع سيتكلم عنه,
مما سيجعل لكلامه وقعًا عظيمًا وقوة وقبولا في نفوس السامعين.
4- المتعة أثناء قراءته, ولن تجد في قراءة ثلاثة أجزاء يوميًّا أدنى كلفة,
وهذا مجرب, ولا يجد مثل ذلك من لم يحفظه إلا ما شاء الله.
5- تبكيرك للصلوات؛ لأنك تستغل أوقات الصلوات للمراجعة والضبط, ومع مرور
الأيام ستجد نفسك تحب التَّبْكِير مع الأذان أو قبله.
6- وأعظم من ذلك ما صح عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: يُقَالُ، لِصَاحِبِ
الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ
تَقْرَأُ بِهَا.[23]
فأنصحك – أخي المسلم – بالعمل على هذه الطريقة الناجحة النافعة.
[22] أضواء البيان 8/359
[23] رواه الإمام أحمد (67999), وأبو داود (1464), والترمذي (2914), وصححه.