تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22- ((أقسام الناس بالنسبة للحفظ والفهم))

انقسم طلابُ العلم المخلصون الصادقون بالنسبة للحفظ والفهم إلى أقسام

أربعة:

القسم الأول: من أُعطي قوةً في الحفظ والفهم, فهذا هو الأكمل والأنفع.

القسم الثاني: من أُعطي قوةً في الفهم, وضعفًا في الحفظ, فهذا قد عوّضه

الله بالفهم عن الحفظ, وربما فتح الله عليه من دقائق الاستنباطات

والتأملات ما لم يُفتح على غيره, حيث صرف جلّ همّه في الفهم, والتدبّر,

والتأمل, والاستنباط, وتدوين الخواطر الهامة, ونفائس العلوم النادرة,

واشتغل باختصار الكتب المهمة والمطوّلة, التي لا يقدر عليها الكثير من

الحفاظ والعلماء.

فلا تظن - يا طالب العلم - أنّك لن تصل إلى الرسوخ في العلم ونفع الأمة

إلا بذاكرة قويّة, وحافظةٍ شديدة؛ فإنّ هذا الظنّ من وسوسة الشيطان, والنفس

الأمارة بالسوء.

القسم الثالث: من أُعطي قوةً في الحفظ, وضعفًا في الفهم, فهذا نفعه كان

أكثر وأعظم قبل زمن التدوين, فأما بعد ذلك فنفعه أقلّ من القسم الثاني في

الغالب.

وهو على خيرٍ إنْ شاء الله, فقد يُفِيد طلاب العلم والعلماء باستظهار

المتون العلمية, وإيراد النصوص الشرعية, والدلالة على نصوصٍ ومسائل عزبت عن

كثير من العلماء وطلاب العلم.

القسم الرابع: من أُعطي ضعفًا في الحفظ والفهم, فهذا مبتلى, وإذا صدق مع

الله تعالى وصبر وصابر في سبيل تحصيل العلم الذي يقربه إلى ربه: سيفتح له

أبوابَ فضلِه وكرمِه وجودِه, فمن أكثر طرق الباب فُتح له.

وكلُّ هؤلاء الذين لا همّ لهم إلا خدمة دينهم, وتبليغ رسالات ربهم:

سَيُبَلِّغُهم الله بكرمه وجوده مراتب العلماء الراسخين ولو لم يصلوا إلى

مراتبهم, أو ماتوا قبل تمكُّنِهم, فقد ثبت في صحيح مسلم[68] أنّ النبي صلى

الله عليه وسلم قال: "وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا

إِلَى الْجَنَّةِ".

فرتّب الأجر على سلوك طريق العلم, لا على النتيجة, وهذا من فضل الله

ورحمتِه.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ إذَا فَعَلَ

مَعَهَا الْإِنْسَانُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ: كَانَ فِي الشَّرْعِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ التَّامِّ, لَهُ ثَوَابُ

الْفَاعِلِ التَّامِّ وَعِقَابُ الْفَاعِلِ التَّامِّ.

قال رحمه الله: الْمُرِيدُ إرَادَةً جَازِمَةً مَعَ فِعْلِ الْمَقْدُورِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ

الْكَامِلِ, وَإِن لَمْ يَكُن إمَامًا وَدَاعِيًا كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ

الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ

اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى

وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً

وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.

فَاَللَّهُ تَعَالَى نَفَى الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِ وَالْقَاعِدِ الَّذِي لَيْسَ بِعَاجِزِ, وَلَمْ

يَنْفِ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِ وَبَيْنَ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ.

بَل يُقَالُ: دَلِيلُ الْخِطَابِ يَقْتَضِي مُسَاوَاتَهُ إيَّاهُ, وَلَفْظُ الْآيَةِ صَرِيحٌ, اسْتَثْنَى

أُولُو الضَّرَرِ مِن نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ, فَالِاسْتِثْنَاءُ هُنَا هُوَ مِن النَّفْيِ, وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ

أُولِي الضَّرَرِ قَد يُسَاوُونَ الْقَاعِدِينَ, وَإِن لَمْ يُسَاوُوهُم فِي الْجَمِيعِ..

وَكَذَلِكَ الْحَرِيصُ عَلَى السَّيِّئَاتِ الْجَازِمُ بِإِرَادَةِ فِعْلِهَا إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ إلَّا مُجَرَّدُ

الْعَجْزِ, فَهَذَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةَ الْفَاعِلِ؛ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إذَا

الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ, قِيلَ: هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا

بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ"[69] وَفِي لَفْظٍ: "إنَّهُ أَرَادَ

قَتْلَ صَاحِبِهِ"[70] .

وَمُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ وَالتَّمَنِّي لَيْسَ إرَادَةً جَازِمَةً, وَلَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْفِعْلِ. ا.ه[71]

فهنيئًا لطالب العلم الصادق, المخلص, التقيّ, الذي بذل وقته ونفسه في

سبيل الله, وخدمة دينه, وإعلاء شرعه, حيث سيبلغه الله مراتب العلماء

الراسخين الربانيين, وسيحشر معهم بإذن الله تعالى.

واعلم – يا طالب العلم - أنك إذا أطعت الله تعالى وأطعت رسوله صلى

الله عليه وسلم, وقمت بوظيفة الأنبياء في الدعوة إلى الله, وطلب العلم,

ومجاهدةِ نفسك على ذلك: فأنت سائرٌ على طريق النبي صلى الله عليه وسلم

وأصحابه رضي الله عنهم, ومصاحبٌ لمنهجهم, وداعٍ معهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قوله تعالى {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ

مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}: كون النبي قاتل معه أو قُتِل معه[72] ربّيون كثير لا يستلزم

أن يكون معهم في الغزاة، بل كل من اتبع النبي وقاتلَ على دينه فقد قاتل

معه، وكذلك كل من قُتِل على دينه فقد قُتِل معه.. ويكون في هذه الآية عبرة لكل

المؤمنين إلى يوم القيامة، فإنهم كلهم يقاتلون مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ - وإن كان النبي قد مات.

والصحابة الذين كانوا يغزون في السرايا والرسولُ غائب عنهم كانوا معه

وكانوا يقاتلون معه، وهم داخلون في قوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ

أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ، وفي قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا

وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ).

فليس من شرط مَن يكون مع المطاع أن يكون رائيًا للمطاع. ا.ه[73]

وهناك أدلة تشهد على ذلك: منها: ما ثبت عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ

النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، إِلَّا

أُمّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ

أَخُوهَا مَعِي». متفق عليه[74]

وأخوها: حرام بن ملحان قتل يوم بئر معونة كما هو معلوم, ومع ذلك: فقد

أخبر بأنه قتل معه, وإن لم يقتل معه في نفس المكان, ولكنه قُتل نصرةً لدينه,

ومن قُتل كذلك فقد قُتل معه.

***

[68] (2699). [69] رواه البخاري (31) ومسلم (2888).

[70] وهذا اللفظ لمسلم

[71] مجموع الفتاوى (10/722-765).

[72] قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَأَبُو عَمْرو ويعقوب: ﴿قُتِلَ مَعَه﴾ بضم القاف وكسر التاء بلا ألف مبنيًّا للمفعول.

[73] جامع المسائل لابن تيمية ط عالم الفوائد: 3/62

[74] البخاري (2844), ومسلم (2455).

صناعة طالب علم ماهر · الصفحة ٧٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صناعة طالب علم ماهرص ٧٣