10- ((وجوب تزكية العلم والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة))
لقد توعّد الله تعالى بوعيد شديد لمن كنز المال - الذي هو قوام البدن -
وحرمه الناس, قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا
جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ}.
فكيف بمن يكنز العلم الذي هو قوام الروح؟
فكن على حذر شديد – يا طالب العلم – من عدم تزكية علمك, والسعي الحثيث
في نشره بكلّ ما تستطيع وتقدر عليه.
والله تعالى يصطفي من يشاء, ويمن على من يشاء, ومن أعظم نعمه على عبده
أن يشرفه بحب العلم وفهمه والصبر عليه.
وجميع ما يتقلب فيه من خيري الدنيا والدين: هو نعمة محضة من الله
تعالى بلا سبب سابق يوجب له حقًّا, ولا حول ولا قوة له من نفسه إلا به.
والله سبحانه هو خالقُ نفسه، وخالقُ أعماله الصالحة، وخالقُ الجزاء.
وإلهامُه الإيمان، وهدايتُه إليه، وتخصيصُه بمزيد نعمةٍ حصل له بها: هو من
نعمته, كما قال تعالى {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره
إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة} ,
وقال تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله﴾.
وإذا كان كذلك: وجب عليك ألا تكتم وتبخل بهذه النعمة وتمنعها غيرك,
فنعمة العلم ليست من محض كسبك, وخالص ذكائك, فيجب عليك أن تتصرف فيها بحسب
ما يراه من أسدى إليك هذه النعمة, وهو الله تعالى, وذلك بالعمل به ونشره.
واعلم أنّ قوة الباطل ليس منشؤه من قوة وعزيمة أتباعه ومكْر رؤسائه, بل من عدم
جدّيّة أصحاب الحق وضعف هممهم وعدم تضحيتهم وقلّة بذلهم.
كانت الفرس والروم قوةً عظمى لا يتجاسر أحدٌ أن يُنَاطحهم، فثار في وجوههم قلةٌ من
أصحاب الحقّ فكسروا شوكتهم, وأذلوا عزيزهم, وقتّلوا مُقاتلتهم, وزلزلوا عروشهم,
وفلّوا جيوشهم.
فظهر الحق وزهق الباطل.
فلن يرتفع صوت الباطل إلا إذا غفل أهل الحق.
وإنّ ظهور الباطل يأتي من قِبَل صاحب الحقّ؛ بسبب ضعفه، وتركه الجدّ في نصرة الحق
ونشره، وانعزاله على نفسه، وانقطاعه عن إخوانه من أهل الحق وعدم تواصله معهم؛
لتثبيتهم ونصحهم وتكثير سوادهم.
فانهض – يا طالب العلم - وانفض غبار الكسل والتسويف.
أفلا يُثير حفيظتك جَلَد أهل الباطل في نصرة باطلهم؟
واعلم أنّ أهل الحق: هم الموحدون المؤمنون، منهم المهندس والطبيب والشاعر
والمعلم.
فنصرة الحق مسؤولية الجميع، بكلمة طيبة، وأخلاق رفيعة، ودعوة ونصيحة للأهل
والأولاد، وفي مواقع التواصل وغير ذلك.
فاعمل ما تستطيع لنصرة الحق ولا تدعه لغيرك.
فيا أهل الحق, يا طلاب العلم: لا تغفلوا عن دينكم وعن نصرته بما تستطيعون,
فتكونون سببًا في علُوِّ الباطل وأهله, فتكاسُلُكم خذلانٌ للإسلام والمسلمين.
فقد أسلم أبو بكر رضي الله عنه فبادر مباشرة إلى الدعوة بنفسِه ولسانه وماله,
وكذلك فعل عمر رضي الله عنه وغيره.
وأسلم الطفيل بن عمرو رضي الله عنه فذهب مباشرة إلى قومه داعيًا وناصحًا.
فماذا ينتظر طالب العلم الذي أمضى سنوات ليدعو وينشر علمه؟
ووالله لو ذاق طالب العلم طعم ولذة وبركة نشر علمه بكلِّ وسيلةٍ يقدر عليها, ولذّةَ
تفريج كربات الجاهلين وهداية الضالين وإرشاد السائلين: لما تردَّد في بذله بكلِّ
وسعه.
واعلم أنّ قوافل الداعين إلى الله، المبلّغين رسالاته: تمضي وتسير {قل هذه سبيلي
أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}.
فيا للشّرف!
فاركب معهم يا طالب العلم، بنشر علمك غايةَ جهدك, ولا تتخلّف عنهم؛ لتحطّ رِحَالك
في المنازل العالية في الجنة بإذن الله.
وما أجمل ما قاله ابن القيم رحمه الله: مَن خَزَن علمه وَلم ينشره وَلم يُعلِّمهُ:
ابتلاه الله بنسيانه وذهابه مِنْهُ؛ جَزَاءً من جنس عمله, وَهَذَا أَمر يشْهد بِهِ الْحس
والوجود. ا.ه[144]
***
11- (الأنبياء – عليهم السلام - لم يكونوا معلمين ومفتين فقط, بل كانوا
كذلك مربين للناس بمخالطتهم ونصحهم وغشيان مجالسهم)
إذا أردت – يا طالب العلم - أن تقتدي بالأنبياء – عليهم السلام -: فلا
تقتصر على ما ورّثوا من العلم فقط, بل عليك أن تأخذ بما ورّثوا من علم,
وعمل, وتربية, وأخلاق, وتعامل, وحرص على نصح الناس, والصبر عليهم, والحلم
عن المسيء منهم, ومخالطتهم في الخير, والسعي في جمعهم على البر والتقوى.
فلم يكن الأنبياء – عليهم السلام - يجلسون في مساجدهم للتعليم, ويصدرون
الفتاوى فقط, بل كانوا يخرجون للناس ويدعونهم, ويربونهم, ويخالطونهم, فوضع
الله - تبارك وتعالى - لهم القبول, وجعلهم أفضل من غيرهم, ولو كان غيرهم
أكثر من بعضهم أتباعًا وشهرة.
فالأنبياء – عليهم السلام - لم يكونوا معلمين ومفتين فقط, بل كانوا مع
ذلك مربين للناس بمخالطتهم ونصحهم وغشيان مجالسهم للدعوة إلى الله,
والتذكير, والنصح, صابرين على تعليم جاهلهم, وأذى أحمقهم.
قال العلامة السعدي في قوله تعالى: ﴿ولكن كونوا ربانيين﴾ أي: علماء
حكماء حلماء معلمين للناس, ومربيهم بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك،
فهم يأمرون بالعلم والعمل والتعليم. ا.ه
فمن غفل من طلاب العلم والعلماء والدعاة إلى الله والخطباء عن جانب
التربية والنصح ومخالطة الناس لأجل النفع والصلة ونشر الخير وتقليل الشر:
فقد فاته جانبٌ عظيمٌ من مهمات الأنبياء – عليهم السلام -, وكان تفريطُه هذا
داعيًا إلى تمرد بعض الناس, واندثار معالم الشريعة, وانتشار المعاصي.
فكثير من الناس - إن لم يكن أكثرهم - لن يستقيموا على الدين ويثبتوا
على الحق ويتركوا المنكر بسبب وجود المعلمين والعلماء, بل لأجل وجود من
يربيهم, ويخالطهم, ويعاملهم بالحسنى, من الناصحين من العلماء وطلاب العلم
وأهل الخير.
فموسى عليه السلام حينما ترك قومه أياما قليلة عبدوا العجل وأشركوا
بالله, مع أنّ هارون أخاه – عليه السلام - كان معهم يعلمهم وينكر عليهم,
ونبينا صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يُعَلِّم, ويربي, وينصح,
ويذكر, ويخالط الناس, ويتألف قلوبهم, ويصبر على أذاهم, ويحلُم عن سفيهم.
فما أحوج الأمة إلى المربين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر
بالكلمة الطيبة, والقدوة الحسنة, والأسلوب اللطيف.
***
[144] مفتاح دار السعادة 1/519