وَفِي آخَرَ عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ دُسّ الْيَهُود رجلاً يُقَالُ لَهُ عَبْداللَّه بْنِ سَبَأٍ فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَجَعَلَ يَطْعَنُ فِي الْخَلِيفَةِ الرّاشِد عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُرِيدُ شَقّ عَصًا الطَّاعَةِ عَلَيْهِ وَاجْتَمَع حَوْلَه جَمَاعَةٌ مِنْ الأوْبَاشِ فسطوا عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَتَلُوهُ ظَانِّين بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقْضُون عَلَى الْإِسْلَامِ ودولته فخيب اللَّه ظَنِّهِم وَبَقِي الْإِسْلَام عزيزاً وَقَام بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ الْخَلِيفَةُ الرّاشِد عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَجَأ أَعْداءِ الإِسْلامِ إلَى مَكِيدَةٌ جَدِيدَة فَخَرَجَت طَائِفَةٌ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يكفّرون الْمُسْلِمِين وَيَسْتَحِلُّون دِمَاءَهُم وَخَرَّجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَاتَلَهُم وَنَصَرَه اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي النَّهْرَوَان وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إلَّا الْقَلِيلُ ثُمَّ تآمروا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَتَلُوهُ غِيلَة وَظَنّ الْكُفَّار وَمَن نَفَذ خطتهم هَذِهِ أَنَّهُمْ سيقضون عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ بَقِيَ الإِسْلامُ عَزِيزًا رَغِم أُنُوفِهِم وَاسْتَمَرَّت دَوْلَة الْمُسْلِمِين عَزِيزَةٌ تَنْشُر دِينِ اللَّهِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ فِي عَهْدِ مُعَاوِيَة ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ قَامَتْ الدَّوْلَةَ الأُمَوِيَّةَ ثُمّ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ وَالْإِسْلَامُ فِي عِزِّ وَظُهُور رَغْمَ مَا يَحْصُلُ لِأَهْلِهِ مِنْ ابْتِلَاء وَامْتِحَان ، حَتَّى جَاءَ جَيْش التتر مِنْ الْمَشْرِقِ فاجتاح بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ الْخَلِيفَةَ الْعَبَّاسِيِّ وَجَرَت عَلَى أَيْدِيهِمْ مِحْنَةٌ شَدِيدَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَكِنَّهُم ثَبَتُوا فِي وُجُوهِهِمْ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَعْرَكَة حَتّى هَزَمَ اللَّهُ التتر وَبَقِي الْإِسْلَام عزيزاً شامخاً كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ثُمَّ جَاءَ الْغَزْو الصليبي بحقده وَشَرِّه وَحَصَلَت بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُعَارِك شَدِيدَة وَاسْتَوْلَى النَّصَارَى عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَتْرَةً طَويلَةً حَتَّى قَيَّضَ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِين صَلَاحُ الدِّينِ الْأَيُّوبِيّ فدحر الصَّلِيبيِّين وَخَلَص بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ حَوْزَتَهُم وَأَعَادَهُ إلَى حَوْزَة الْمُسْلِمِين .
52/1