يَقُولُ بَعْضُ السَّلَفِ لَوْ أَنَّكُمْ اشتريتم الْوَرِق لِلْحَفَظَة لَأَمْسَكْتُم عَنْ كَثِيرِ مِنْ الْكَلَامِ يَعْنِي خَشْيَةً عَلَى أَمْوَالِكُمْ يَعْنِي لَوْ تُرِيدُ أَنْ تَشْتَرِيَ الْوَرِق لِلْحَفَظَة أَنْفَقَت أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الْوَرَقِ فَتُمْسَك عَنْ الْكَلَامِ حَتَّى لَا تَخْسَرُ خَسَارَةٌ مالِيَّةٌ لَكِنَّك تَخْسَر خَسَارَة دِينِيَّة (لو اشتريتم الْوَرِق لِلْحَفَظَة لَأَمْسَكْتُم عَنْ كَثِيرِ مِنْ الكلام) فَإِذَا كَانَ تُمْسِكُ عَنْ كَثِيرِ مِنْ الْكَلَامِ خَشْيَةً عَلَى مَالِكٍ فَكَيْفَ لَا تُمْسِكُ عَنْ كَثِيرِ مِنْ الْكَلَامِ خَشْيَةً عَلَى دِينِك و عَلَى عقيدتك وَعَلَى نَفْسِك أَنْ تُعَذَّبَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ؟ الْأَمْر خَطِير و الْوَاجِبِ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ هَذِهِ الْآفَاتِ و هَذِه الْمُهْلِكَات الْمُوبِقَات وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ لِسَانِهِ أَشَدَّ خَطَر مِنْ يَدِي وَمِنْ رَجِلِهِ وَ لَا يُعَادِلُه فِي الخُطُورَة إلَّا خُطُورِه الْفَرْجِ وَ الشَّهَوَات و لِهَذَا يَقُولُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم (من يَضْمَنُ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجنة) ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِنْسَانِ مِنْ إخْطَار فَرْجَه وَمَن إخْطَار لِسَانِه فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ بَابِ أَوْلَى مِنْ بَقِيَّةِ الْأَخْطَار ، وَأَخْبَر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سُلِّمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُورِدُ النَّاسَ النَّارَ (الفم و الفرج) (الفم) وَهُوَ اللِّسَانُ ، و(الفرج) الَّذِي يَقَعُ فِي الْفَاحِشَة و الْعِيَاذ بِاَللَّه ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ مِنْ الْكَلَامِ الْبَذِيء و الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِالطَّعَّانِ وَلَا بِاللَّعَّانِ و لَا يَصْلُحُ مِنْ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ سَبَّابًا شتاما لَعَّانًا بَذِيئا فَاحِشًا مُتَفَحِّشًا بَلْ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ يَتَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ الطَّيِّب و الْكَلَام الْمُؤَدِّب و الْكَلَام النَّافِع و الْكَلَامِ الْمُفِيدِ قَالَ تعالى( إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبِ و الْعَمَلِ الصَّالِحِ يرفعه) الْكَلَامُ الطَّيِّبُ التَّسْبِيح و التَّهْلِيل و التَّكْبِير يَصْعَدُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ تَعْلِيمُ الْعِلْمِ النَّافِعُ هَذَا يَصُدّ إلَى اللَّهِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ الْعَمَلِ إمَّا الْقَوْلُ بِدُونِ عَمَلٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ ، لَازِمٌ الْقَوْلُ مَعَ الْعَمَلِ ، (والعمل الصَّالِح يرفعه) قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَاعْتِقَاد بِالْقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ قَوْلُ بِاللِّسَانِ هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ : قَوْلٌ بِاللِّسَانِ و اعْتِقَاد بِالْجِنَان وَعَمَلٍ بِالْأَرْكَانِ يَعْنِي بِالْجَوَارِح ، مترابطة كُلُّهَا بَعْضِهَا مَعَ بَعْضِ هَذَا هُوَ الْمُؤْمِنُ ، فَخَطَر اللِّسَان عَظِيمٌ ، الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يُقْتَلُ أَحَدًا يُمْكِن يَعيشُ كُلَّ حَيَاتِه مَا قَتَلَ أَحَدًا أَوْ يَعيشُ كُلَّ حَيَاتِه مَا ضَرَبَ أَحَدًا وَلَكِنَّهُ يَعِيش حَيَاتِه مُلَطَّخًا لِسَانِه بِالْكَلَام الْبَذِيء ، يَتَسَاهَل بِاللِّسَانِ هُوَ يَتَجَنَّب الضَّرْبُ بِالْيَدِ وَالْقَتْل و السَّرِقَة وجرائم الْيَدِ مَثَلًا يَتَجَنَّب جَرَائِم الْيَدِ لِأَنَّهُ يتعاظمها لَكِنْ مَا يَتَجَنَّب جَرَائِم اللِّسَانِ وَهِيَ أَشَدُّ مِنْ جَرَائِم الْيَد ، الْإِنْسَانِ لَوْ أَنَّك أَخَذْت شَيّ مِنْ مَالِهِ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ إنَّكِ تَتَكَلَّمْ فِي عِرْضِهِ لِأَنَّ الْمَالَ يَذْهَب ويجي لَكِن الْعَرْضِ مَا هُوَ سَهْلٍ وَلِهَذَا يَقُولُ الشّاعِرُ :
أَصُون عِرْضِي بِمَالِي لَا أدنسه
لَا بَارَكَ اللَّهُ بَعْدَ الْعَرْضِ بِالْمَال
احْتَال لِلْمَالِ إنْ أَوْدَى فَاجْمَعْه
وَلَسْت لِلْعَرْض أَن أَوْدَى بمحتال
يَعْنِي أَنَّ الْمَالَ إذَا هَلَكَ الْإِنْسَان يُمْكِنُ أَنَّهُ يَحْتَال و يَكْتَسِب بِسُرْعَة ، لَكِن عِرْضَه إذَا دَنَسٌ صَعُبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَسْتَرِدّ نَزَاهَتِه وَمَكَانَتِه ،
أَصُون عِرْضِي بِمَالِي لَا أدنسه
لَا بَارَكَ آلِهِ بَعْدَ الْعَرْضِ بِالْمَال
احْتَال لِلْمَالِ إنْ أَوْدَى فَاجْمَعْه
وَلَسْت لِلْعَرْض أَن أَوْدَى بمحتال
227/1