كَذَلِكَ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ الْغِيبَة و النَّمِيمَة ، الْغِيبَة و النَّمِيمَة خَصْلَتَان ذميمتان كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ لَا يَطِيبُ لَهُ الْمَجْلِسِ إلَّا بِهِمَا ، الْغَيْبَةِ مَا هِيَ الْغِيبَة ؟ سُئِلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم قِيلَ لَهُ مَا الْغِيبَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ ؟ قَالَ إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ و إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ ، فَإِذَا تَحَدّثَت عَنْ شَخْصٍ وَهُوَ غَائِبٌ بِمَا يَكْرَهُ مِنْ صِفَاتِهِ تَقُولُ فُلَانٌ كَذَّابٌ فُلَان خَائِنٌ فَلِأَنَّ فِيهِ كَذَا وَ كَذَا تَصِفُه بِصِفَات فُلَان مَثَلًا ضَعِيفٌ شَخْصِيَّةٌ فُلَانٌ بَخِيلٌ فُلَان شَحِيحٌ فُلَان كَذَّابٌ إلَخْ يَعْنِي تَذَكَّرَه بِمَقَالَة السُّوء و صِفَات السُّوء حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ لَا يَجُوزُ لَك هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فكرهتموه) شَبَّه سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى الْغِيبَة بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيِّتِ وَهَلْ أَحَدٌ يُطِيق أَنْ يَأْكُلَ مِنْ جِيفَةِ إنْسَانٌ ؟ لَا أَحَدَ يُطِيقُ هَذَا ، الَّذِي يغتابه يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِهِ أَقْدَمَ عَلَى أَكْلِ لَحْمُهُ (أيحب أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ؟ ) كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم يَسِير مَرَّة وَمَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَسَمِع رِجَالًا يَتَكَلَّمُونَ فِي مَيِّتٍ تُوُفِّي بِحَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، إنْسَانٌ وَقَدْ فِي الزِّنَا وَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم وَطَلَبَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم مَرَّة مَرَّتَيْن وَلَكِنَّه أَلَحّ إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الْحَدُّ ، لِأَنَّه تَابَ تَوْبَةً صَادِقَةٌ وَضَاقَت عَلَيْهِ الدُّنْيا ، وَقَال أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّم لَمَّا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ ، تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ ، و قَالُوا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي فَضَح نَفْسِهِ لَوْ سَتَرَ نَفْسَهُ سَتَرَهُ اللَّهُ ! سَمْعِهِم النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَرَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَام بِجِيفَةِ حِمَارٍ ، سَكَتَ حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ ، حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ مِنْ النَّتْنِ ، فَقَالَ يَا فُلَانُ يَا فُلَانُ ، قَالُوا : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَال : انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ ، قَالُوا : غَفَرَ اللَّهُ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا ؟ قَال : (لما تناولتما مِنْ عَرْضِ أَخِيكُمَا آنفاً أَشَدُّ مِنْ الْأَكْلِ مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ ، وَإِنَّهُ الْآنَ ليسبح فِي أَنْهَارِ الجنة) ، يَعْنِي هَذَا الْمُؤْمِنِ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَتَاب إلَى اللَّهِ أَنَّهُ الْآنَ ليسبح فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ، فَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَيَتَكَلَّمَ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ وَهُمْ غَائِبُون إحْيَاء أَو أمواتاً لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَشْنَع الْجَرَائِم و الْعِيَاذ بِاَللَّه (أيحب أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ اللَّهَ تَوَّابٌ رحيم)
223/1