وهذانِ الشَّرْطَان الْإِخْلَاص والمُتابعة هُمَا مَعْنَى أَوْ مِنْ مَعْنَى شَهَادَة أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنٌ محمداً رسولُ اللَّه ، فَمَعْنَى أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ : أنْ تُخلص لَهُ الْعَمَلُ وتَترك عِبَادِهِ مَا سِوَاهُ ، وَمَعْنَى أشهدُ أَن محمداً رسولُ اللَّه : أنْ تَقَرّ بِرِسَالَتِه وَإِن تُطيعه فِيمَا أَمَرَ وَتَتْرُك مَا نَهَى عَنْهُ "صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" . ويجمعُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ ، قَوْله تَعَالَى ( بَلَى مِنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)؛(البقرة:112) أَسْلَم وجههُ لِلَّه : هَذَا الْإِخْلَاص ، وَهُو مُحْسن : أَي مُتَّبِعٌ للرسول"صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" ، فَإِذَا كَانَ العملُ موافقاً لِسَنَة الرسولِ "صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" لَكِنَّهُ لَيْسَ خالصاً لِلَّهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ إذَا كَانَ العملُ خالصاً لِلَّه لَكِنَّه مُخالفاً لِسَنَة رسولِ اللَّه "صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" فَهُو مردودٌ أيضاَ ، وَلِهَذَا قَالَ جلٌ وَعَلَا (الّذِي خَلَقَ الموت والْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً) (تبارك:2) قَالَ أَيُّكُمْ أحسنُ عملاَ وَلَمْ يَقُلْ أَيُّكُم أكثرُ عملاَ ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَت بِالْكَثْرَة الْعِبْرَة بالحُسنْ أنْ يَكُون العملُ حسناً ، أَيُّكُم أحسنُ عملاَ ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) (الكهف:7)
(فائدة)
لَمْ يَقُلْ أَيُّهُم أكثرُ عملاَ ، الْكَثِيرِ إذَا لَمْ يكنْ حسناً فَهُوَ مَرْدُودٌ ، أَيُّكُم أحسنُ عملاَ قَال ، سئُل الْفُضَيْل ابْنَ عِيَاضٍ "رحمه الله" : (قيل يَا أَبَا عَلِيٍّ أَيُّكُم أحسنُ عملاَ ؟ قَال : أَخْلَصَه وأصوبه) فَإِنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خالصاً وَلَم يكنْ صواباً لَم يُقبل ، وَإِذَا كَانَ صواباً وَلَمْ يَكُنْ خالصاً ، لَم يُقبل حَتَّى يَكُونَ خالصاً صَوَابٌ ، بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فهؤلاءِ الصَّفْوَة المُختارة همُ الَّذِين عَرَفُوا قَدْر الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَعَرَفُوا أَنَّهَا دارُ مَمَرّ ، وَأَنَّهَا مَزْرَعَةٌ لِلْآخِرَةِ فاستغلوها فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
قَالَ الشَّاعِرُ :
إنَّ لِلَّهِ عباداً فُطنا
طلقوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الفتنا
نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا رَأَوْهَا لُجةً
جَعَلُوا صَالِح الأعمالِ فِيهَا سُفُنا
ـــــــــــــــــــ
هَذِهِ الدُّنْيَا وقال"صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم" (مالي وَلِلدُّنْيَا إنَّمَا مثَلي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كمثلِ راكبٍ قَالَ تَحْتَ ظلِ دوحة) ، قَالَ يَعْنِي وَقْتُ الْقَيْلُولَةِ (جلس تَحْتَ شَجَرَةٍ يَسْتَظِلّ وَيَسْتَرِيح وَسَطَ النَّهَارِ ثُمَّ ذَهَبَ وتركها) ، فالدنيا كَذَلِك لَيْسَتْ دَارَ قَرَارٍ ، اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَال (وإن الْآخِرَةَ لَهِيَ دَارِ الْقَرَارِ) ( يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ) (غافر:39) يَقُول مُؤْمِنٌ آلِ فِرْعَوْنَ يَقُول لِقَوْمِه ( يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ لهِيَ دَارُالْقَرَارِ)؛ (غافر:39). وقال (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)،(غافر:40)
196/1