تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَلَابُدَّ مِنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مَع الْمَحَبَّة وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ ، أَمَّا الصُّوفِيَّة فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ نَحْنُ لَا نَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا وَلَا رَجَاءٌ لَا طَمَعًا فِي جَنَّتِهِ وَلَا خَوْفًا مِنْ نَارِهِ وَإِنَّمَا نَعْبُدُه لِأَنَّنَا نَحْبَه فَقَط ، فَهَذَا ضَلَال وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ، يَعْنِي هُمْ خَيْرُ مِنْ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ يَرْجُون رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ قَالَ تَعَالَى : (( أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ )) ، فَهَذِه مَحَبَّةِ اللَّهِ مَحَبَّة الْعَبْدِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهُ وَإِقَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى صِدْقِ مَحَبَّتِه لِلَّه ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، مَنْ أَحَبَّ اللَّهُ صَادِقًا وَقَام بِعِبَادَتِه أَحَبَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذَا أَحَبَّهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَسْعَد سَعَادَةً لَا شَقَاء بَعْدَهَا ، إذَا أَحَبَّهُ اللَّهُ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ يُسَدِّدُهُ ويوفقه ويرشده وَيَهْدِيه كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ إنْ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا قَال : " مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بارزته بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إليّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليّ مِمَّا افْتَرَضْته عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إليّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَلَئِن سَأَلَنِي لأعطينه وَلَئِن اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّه " ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُوَفِّقَه ويسدده فِي أَقْوَالِهِ وَأَعْمَالَهُ وَيَكُونُ مَعَهُ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْحِفْظ هَذَا مَعْنَاهُ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَئِن سَأَلَنِي لأعطينه وَلَئِن اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّه ، فَأَخَّر الْحَدِيثِ يُفَسِّرُ أَوَّلِه ، أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ اللَّهِ مَعَ مَنْ أَحَبَّهُ وَيَكُون سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ أَيْ إنْ اللَّهَ يُوَفِّقَه فِي كُلِّ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ونياته وَمَقَاصِدِه ، فدلّ هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِالنَّوَافِل بَعْدَ الْفَرَائِضِ ، يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بنوافل الْعِبَادَاتِ بَعْدَ فَرَائِضِهَا أَمَّا مَنْ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِل مَع إضَاعَة الْفَرَائِض فَاَللَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ ، لاَبُدَّ مِنْ الْفَرَائِضِ أَوَّلًا ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَائِضِ يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بنوافل الْعِبَادَات ، فَحِينَئِذ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَإِذَا أَحَبَّهُ اللَّهُ سدّده وَوَفَّقَهُ وَأَعَانَهُ وَكَانَ مَعَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

186/1

المحاضرات · الصفحة ١٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المحاضراتص ١٨٨