يَقُولُ الشّاعِرُ :
وَكَمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ مَدْحِهِ لَهُم
***
يَكَاد بِهَا ذُو الْعِلْمِ فَوْقَ السُّها يَسْمُو
وَشَرَفُ الْعِلْمِ ، وَشَرَف الْعُلَمَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِحَمْلِ الْعِلْمِ حَقّ حَمْلُه وَمَعْرِفَة حَقِّه ، أَمَّا مَنْ يَتَحَمَّلُ الْعِلْمِ وَهُوَ لَا يُعْرَفُ حَقَّ الْعِلْمِ ، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّ الْعِلْمِ فَهَذَا مِثْلُ مَا سَبَقَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ وَمِثْل قِصَّةِ بَلْعَامٍ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ بَنْيِ إسْرَائِيلَ لَكِنَّه – وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ – أَخَذَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ، انسخ مِنْ الْعِلْمِ ، هُوَ عَالِمٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ ، وَيُخَالِفُ مَا عَلِمَهُ لِرَغْبَة نَفْسِه وَشَهْوَتَه ، يُرِيدُ الدُّنْيَا ، وَالْعِلْم يُرَادُ بِهِ الآخِرَةَ ، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ ، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } ، مَا طُلِبَ الرِّفْعَة ، مَا ارْتَفَعَ إلَى السَّمَاءِ ، وَإِنَّمَا أَخْلَد إلَى الْأَرْضِ ، وَلَمْ يَتَّبِعْ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا اتَّبَعَ هَوَاهُ ، فَتَارَة شَبَّه اللَّه الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِم بِالْحَمِير الَّتِي هِيَ أَبْلَد الْحَيَوَانَات ، وَتَارَة شُبَهِهِم بِالْكِلَاب الَّتِي لَا تَزَالُ تلهث دائمًا وأبدًا ، فَهَذَا وَصْفٌ دَنَاءَة وتنفير مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَكَفَى بِهَذَا ذمًّا لِمَنْ يَعْلَمُ الْحَقّ وَلَكِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهِ ، أَمَّا لِطَمَع دُنْيَوِيّ يَتَعَارَض مَعَ عِلْمِهِ ، وَمَع الْعَمَلُ بِعِلْمِهِ ، أَو لِهَوَى فِي نَفْسِهِ وَلِغَيْرِه ، وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُون مسئولية النَّاس ومسئولية الْمُجْتَمَع ، فَهُم ينيرون لِأَنْفُسِهِم ، وينيرون لِغَيْرِهِم ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً » .
177/1