سادسًا : كَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ طَالِبُ الْعِلْمِ التَّوَاضُع وَعَدَمُ التَّكَبُّرِ ، وَيَتَوَاضَع لِإِخْوَانِه ، وَيَتَوَاضَع لطبة الْعِلْم ، وَيَتَوَاضَع لِلنَّاس ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يُفِيد التَّوَاضُع ، أَمَّا الْكِبْرُ وَالتَّرَفُّعِ عَلَى النَّاسِ فَهَذَا لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ طَالِبُ الْعِلْمِ ، وَكُلَّمَا كَثُرَ عِلْمُ الْإِنْسَانِ كَثِير تَوَاضُعُه ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، وَطَالِبُ الْعِلْمِ قُدْوَة يَتَّسِع صَدْرِه لِلنَّاس ، وَالسَّائِلِين ، والمسترشدين ، حَتَّى وَلَوْ شَقُوا عَلَيْه تَحْمِل لِأَنَّهُ عَلَى أَجْرِ ، فَهَذَا مِنْ صِفَاتِ طَالِبُ الْعِلْمِ التَّوَاضُع . سابعًا : كَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ طَالِبُ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ بَلَغَ حدًا مِنْ الْعِلْمِ ، وَيَقُول : هَذَا يَكْفِينِي ، مَهْمَا أَمْكَنَ أَنَّه يَتَعَلَّم يَتَعَلَّم ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ أَنَّهُ يُسْأَلُ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ يَسْأَلُهُ ، وَلَا يُظَنُّ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ سُؤَالٍ الْعُلَمَاءِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ عالمًا فِي نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا : ﴿نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾(20) وَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾(21) فَإِذَا رَأَى الْإِنْسَانَ أَنَّهُ بَلَغَ الْغَايَةَ مِنْ الْعِلْمِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَهِلَه ، وَيُقَال : مَنْ قَالَ : أَنَا عَالِمٌ فَهُوَ جَاهِلٌ : لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى الْعِلْمِ وَالْمَزِيدِ مِنْ الْعِلْمِ ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ ، وَهُنَاكَ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّهِ مَهْمَا أَمْكَنَ ، بَلْ إنَّهُ يَتَزَوَّد بِأَيّ وَسِيلَةٌ . هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ طَالِبُ الْعِلْمِ ، فَهَذِهِ بَعْضُ فَضَائِلِ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءَ وَهَذِه بَعْضُ صِفَاتِ طَالِبُ الْعِلْمِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا . ثامنًا : مِنْ صِفَاتِ طَالِبُ الْعِلْمِ التَّأَدُّبُ مَعَ الْمُعَلِّم ، وَيَتَخَلَّق بِالْأَخْلَاق الْفَاضِلَة ، لِأَنَّك إذَا لَمْ تتأدب مَع مدرسك وَمَع مُعَلِّمُك فَإِنَّك لَنْ تَسْتَفِيدُ مِنْهُ ، فَتَأَدَّب مَعَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُدَرِّسِين حَتَّى تَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِم ، وَمَن فِقْهِهِم ، وَحَتَّى لَوْ لَاحَظَت عَلَى مدرسك شيئًا مِنْ الْخَطَأِ فَلَا تقابله ، لَا تُقَابَلُ شَيْخُك أَو مدرسك بِالِاعْتِرَاض ، وَإِذَا أَرَدْت أَنْ تَنَبُّهِه فَهُنَاك طُرُقٍ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، بِأَن تَسْأَلُه سؤالاً عَنْ كَذَا وَكَذَا لِأَجْلِ أَنْ يَنْتَبِهَ لِلْجَوَاب ، وينتبه لِلْخَطَأ ، فَإِذَا لَاحَظَت عَلَيْه فنبهه فِي صُورَةِ سُؤَالٍ ، وَلَا تَقُلْ لَهُ : أَنْت أَخْطَأْت ، وَلَيْسَ هَذَا خاصًا بالمدرس الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ بَلْ حَتَّى الْمُدَرِّسَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْفَصْلِ ، وَعَلَى كُلٍّ حَالٍ فَإِنْ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ تعلمًا وتعليمًا وعنايةً هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ،
176/1