تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَمَّا الْعَكْسُ وَهُوَ أَنَّك تَأْخُذ الْعِلْمِ مِنْ أَعْلَاهُ وَتَتْرُك أُصُولِه فَقَدْ ضَيَّعَتْ نَفْسِك ، وَلِهَذَا يَقُولُ الْعُلَمَاءِ مِنْ ضَيَّعَ الْأُصُول حَرُم الْوُصُول ، وَالْعُلَمَاء مَا أَلَّفُوا هَذِه الْمُخْتَصَرَات إلَّا عَنْ تَجْرِبَةٍ وَنَصَح لِلْأُمَّة ، فَجَزَاهُمْ اللَّهُ خَيْرٌ الْجَزَاءِ ، وَلَو إِنَّك تذوقت مَا فِي هَذِهِ الْمُخْتَصَرَات ، ثُمَّ عَرَفْت مَعْنَاهَا لَوَجَدْت الْعِلْم الْغَزِير ، وَمَا فَوْقَهَا مِنْ الْكُتُبِ إنَّمَا هِيَ شُرُوح لَهَا وتبسيط لَهَا ، لَكِنْ هِيَ الْأُصُول ، وَلِهَذَا أَلَّفُوا متونًا فِي النَّحْوِ ، وَأَلَّفُوا متونًا فِي الْحَدِيثِ ، وَأَلَّفُوا متونًا فِي سَائِرِ الْعُلُومِ ، أَلَّفُوا الْمُتُون الْمُخْتَصَرَةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ يَتَدَرَّجَ طَالِبُ الْعِلْمِ فِي حِفْظِهَا وَفَهْمُها إلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا . رابعًا : عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ الْعَمَلَ بِمَا يَعْلَمُ ، فَكُلَّمَا عَلِم شيئًا مِنْ الْحَقِّ عَمِلَ بِهِ ، وَالْعَمَل يُزَكِّي الْعِلْم وَيَزِيدُه وينميه ، وَلِهَذَا يُقَالُ : مَنْ عَمِلَ بِمَا عُلِمَ أَوْرَثَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ، فَالْعَمَل يُزَكِّي الْعِلْم وينميه وَيَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ الْبَرَكَة ، أَمَّا عَلَمُ بِدُونِ عَمَلٍ فَلَا بَرَكَةَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ مِنْهُ ، فَكُلَّمَا تَعْلَم طَالِبُ الْعِلْمِ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ أَوْ بابًا مِنْ الْأَبْوَاب أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يُبَادِرُ إلَى الْعَمَلِ بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِلْمِ . خامسًا : مِنْ صِفَاتِ طَالِبُ الْعِلْمِ أَنْ يَنْشُر عَلِمَهُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ منالناس ، إذَا أَعْطَاهُ اللَّهُ علمًا وَلَو قليلاً فَإِنَّهُ لَا يخزنه ويبخل بِه ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُه لِلنَّاس لِأَنَّ هَذَا الْعِلْمِ لِلنَّاس جميعًا ، الْعِلْم أَنْزَلَهُ اللَّهُ لِلنَّاسِ ، فَلَا تخزنه وَتَحْرُم النَّاسُ مِنْهُ ، هَذَا أَمَانَةٌ حَمَلَكِ اللَّهُ إِيَّاهَا لِنَفْسِك أولاً ، ولإخوانك ، مَا تَقُولُ : مَا عَلَيَّ مِنْ النَّاسِ ، أَنْت مُكَلَّف بِأَنَّك تَدْعُوَا إِلَى اللَّهِ ، وَتَعَلُّم النَّاسَ الْخَيْرَ ، ترشدهم ، تَبْدَأ بِأَهْل بَيْتِك وَمَن حَوْلِك ، جِيرَانُك ، أَهْلِ بَلَدِك ، إلَى آخِرِهِ فَإِذَا مِنْ اللَّهِ عَلَيْك بِشَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ فَإِنَّك تنشره بَيْنَ النَّاسِ ، فانفع النَّاس بِأَنَّ تَرْشُد وَتُوَضِّح لِلْجَاهِل ، تَدْعُو إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ « لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رجلاً واحدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ »

175/1

المحاضرات · الصفحة ١٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المحاضراتص ١٧٧