تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : فَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، كَفِقْه الْمُعَامَلَات ، وَفَّقَه الْمَوَارِيث ، وَفَّقَه الْأَنْكِحَة وَالْجِنَايَات ، هَذَا لاَبُدّ مِنْهُ لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ، بَلْ إذَا قَامَ بِهِ مِنْ يَكْفِي سَقَطَ الْإِثْمُ عَنْ الْبَاقِينَ .

وَأَمَّا الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ الْمُحَاضَرَة وَهُوَ بَيَانُ صِفَات طَالِبُ الْعِلْمِ فَمِنْهَا :

أولاً : الإِخْلاصِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْم ، وَلَا يَكُنْ مِثْلَ الَّذِي يُسْحَب يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجْهِهِ إلَى النَّارِ ، وَهُوَ الَّذِي تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِأَجْلِ أَنْ يُقَالَ : هُوَ عَالِمٌ ، وَلِأَجْلِ أَنَّ يُمْدَحَ بِذَلِكَ وَيَكُونَ لَهُ مَكَانَه عِنْدَ النَّاسِ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا قَصَدَه فَهَذَا قَصَد بَاطِلٌ ، فَطَالَب الْعِلْمُ أَوَّلُ شَيْءٍ يُحْسِن النِّيَّة لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ثانيًا : أَنْ يَتَلَقَّى الْعِلْمِ عَنْ عُلَمَاءِ ، يَتَلَقَّى الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ ، عَنْ الْعُلَمَاءِ الْمَعْرُوفِين بِه ، وَمَن مُصَادَرَة الْمَعْرُوفَة ، فالمتعلم يَحْتَاجُ إلَى شَيْئَيْنِ : إلَى كِتَابِ مُفِيدٌ ، وَإِلَى مُعَلِّمٌ مَجِيدٌ ، إذَا وَفْق لِهَذَيْن الِاثْنَيْن ، كِتَاب وَمُعَلِّمٌ فَقَد بَذْل السَّبَب ، وَأَمَّا إنْ الْإِنْسَانَ يَتَعَلَّم عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَجْعَلَ لَهُ الْمَكْتَبَة الضَّخْمَة يُطَالِع فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ فِي صُورَةِ أَنَّهُ عَالِمٌ وَهُوَ لَمْ يَتَلَقَّى الْعِلْمِ عَنْ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا تَلْقَى الْعِلْمِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَعَن كَتَبَه ، فَهَذَا خَطَؤُه أَكْثَرَ مِنْ صَوَابُه ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمَثَلِ الْعَامِّيِّ : مَنْ كَانَ دَلِيلُهُ كِتَابِه خَطَأَه أَكْثَرَ مِنْ صَوَابُه ، فَالْعِلْم لَا يُتَلَقَّى عَنْ الْكُتُبِ ، وَلَا يَتَلَقَّى الْعِلْمِ عَنْ الْجُهَّال ، وَإِنَّمَا يَتَلَقَّى الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ الْمَعْرُوفِين بِهِ وَمِنْ كَتَبَه وَمَصَادِرُه الموثوقة . ثالثًا : مِنْ آدَابِ طَالِبُ الْعِلْمِ : أَنَّه يَتَدَرَّجُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، يَبْدَأُ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ ، ثُمّ المتوسطات ، ثُمّ الْمُطَوَّلَات مِنْ الْكُتُبِ ، أَمَّا الْعَكْسُ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ طُلَّابِ الْعِلْمِ الْآنَ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْمُتُون الْكِبَار ، وَالْكُتُب الْكِبَار ، وَالشُّرُوح الضَّخْمَة وَيَتْرُك الْأَسَاس ، فَهَذَا عَكْس الطَّرِيقَة الصَّحِيحَة وَلَا يَسْتَفِيدُ بَلْ هَذَا يتشتت ذِهْنِه وَيَضِيع وَقْتِهِ وَلَا يَسْتَفِيدُ ، أَمَّا لَوْ أَنَّهُ يَتَدَرَّجُ فِي الْعِلْمِ شيئًا فشيئًا مَع الْمُخْتَصَرَات وَهِي الْكُتُب الصَّغِيرَة ، ثُمّ الْكُتُبِ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَالْعُلَمَاء أَلَّفُوا هَذِه الْمُخْتَصَرَات المبسطة الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنْ وَرَقَات قَلِيلَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ تَكُونَ مِرْقَاة لِلطَّالِب إلَى مَا فَوْقَهَا ، الْعِلْمِ لَا يَحْصُلُ لَك إلَّا إذَا صَعِدَت مَع مَرَاحِل التَّعْلِيم ، فَبَدَأَت مِنْ الْأَلْفِ كَمَا يَقُولُونَ ، بَدَأَت الشَّيْءِ مِنْ أَسَاسِهِ ، ثُمّ تَتَرَقَّى شيئًا فشيئًا ، تَتَكَوَّن شيئًا فشيئًا حَتَّى تَصِلُ إلَى الْمَقْصُودِ ،

174/1

المحاضرات · الصفحة ١٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المحاضراتص ١٧٦