تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطَّائِفَةِ الْأُولَى الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حِفْظَ النُّصوصِ وَالْفِقْهُ فِي مَعَانِيهَا وَاسْتِنْبَاط الْأَحْكَامَ مِنْهَا ، حَفِظُوا النُّصُوص ، وَتَفَقَّهُوا فِي هَذِهِ النُّصُوصُ وَاسْتَخْرَجُوا مَعَانِيهَا وَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ ، مِثْلِ الْأَرْضِ الَّتِي أمْسَكَتِ الْمَاءَ وَأنْبَتَت الْكَلَأ ، وَهُو العُشْب ، هَذِهِ أَحْسَنُ الطَّوَائِف ، وَهُمْ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ ، وَيُقَالُ لَهُمْ فُقَهَاء الْحَدِيث ، هُم أَعْلَى الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ حِفْظَ النُّصوصِ وَالتَّفَقُّه فِيهَا ، أَمَّا مُجَرَّدُ الْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ تَفَقَّه فَهَذَا فِيهِ خَيْرٌ لَكِنَّهُ أَقَلُّ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الطَّائِفَة الثَّانِيَةُ ، وَهُم حُفَّاظُ الْحَدِيثِ ، أَمَّا الطَّائِفَة الثَّالِثَة : وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ ، وَهِيَ الَّتِي لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كُلًّا ، وَهَذَا مِثْلُ لِلَّذِينَ لَا يَعْتَنُون بتلقي النُّصُوص وَمَعْرِفَتِهَا ، لَا حِفْظٌ وَلَا فِقْهَ ، هَؤُلَاءِ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ، وَهَذَا إذَا كَانُوا مُعْرِضِين ، أَمَّا إنْسَانٍ مُسْلِمٍ جَاهِلٌ يُرِيد الْخَيْرِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاَللّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيُحِبّ الْخَيْر لَكِنْ مَا تَيَسَّرَ لَهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّم ، وَلَا أتيحت لَهُ الفُرْصَةُ أَنَّه يَتَعَلَّم ، هَذَا فِيهِ خَيْرٌ لَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ عَوَامِّ النَّاسِ ، إنَّمَا الذَّنْبِ عَلَى مَنْ تَرَكَ التَّعَلُّمِ وَالتَّفَقُّه رَغْبَةً عَنْ ذَلِكَ وَعَدَمِ إقْبَال مِنْهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْمُومُ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « فَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ لَمْ يُقْبَلْ هَدَى اللَّهُ الَّذِي جِئْت بِهِ ، وَلَمْ يَرْفَعْ بِذَلِك رأسًا » ، وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ رَغِبَ عَنْ الْعِلْمِ ، وَأَعْرِضْ عَنْ الْعِلْمِ وَزَهِدَ فِيهِ ، أَمَّا الْعَامِّيُّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي عِنْدَهُ الْإِيمَان وَعِنْدَه مَحَبَّة الْخَيْر ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ ، أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ ، فَهَذَا مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِين يُرْجَى لَهُ الْخَيْر ، وَلَكِنْ هُوَ عَلَى خَطَرِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَمَنْ سَلَكَ طريقًا يَلْتَمِس بِه علمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلَى الْجَنَّةِ » « مَنْ سَلَكَ طريقًا » يَعْنِي سَارَ مَعَ طَرِيق يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ النَّافِعُ ، وَهَذَا يَشْمَلُ الطَّرِيقَ الْحِسِّيّ ، وَهُوَ الْمَشْيُ إلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالذَّهَاب إِلَى أَمْكَنَه الْعِلْمِ وَلَوْ احْتَاجَ إلَى السَّفَرِ ، فَمَن رَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ سَلَك طريقًا إلَى الْعِلْمِ ، طريقًا حسيًا ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي : طَرِيق مَعْنَوِيٌّ ، وَذَلِكَ بِحُضُورِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ ، وَحَفِظ النُّصُوص وَالتَّفَقُّه فِيهَا ، هَذَا طَرِيقٌ إلَى الْعِلْمِ ، طَرِيق مَعْنَوِيٌّ ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ وَلَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ ، إنَّمَا الْمَقْصُودُ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ ، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلَى الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، فَإِذَا سَلَك طريقًا يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ فِيهِ وَيَطْلُب الْعِلْمِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ طريقًا حسيًا أَو طريقًا معنويًا ، فَإِنَّ هَذَا الطَّرِيقِ طَاعَةً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَعُبَادَة لِلَّه ، جَزَاؤُهُ إنْ اللَّهَ يُسَهِّلُ طَرِيقُهُ إلَى الْجَنَّةِ ، ويوفقه إلَى الطَّرِيقِ الَّذِي يُوَصِّلُ إلَى الْجَنَّةِ ، وَهَذَا جُزْءًا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا : ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

170/1

المحاضرات · الصفحة ١٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المحاضراتص ١٧٢