وَمِنْ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتِ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ » أَيْ الْمَسْجِدِ ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ أَفْضَلُ مَكَان لِتَعَلُّم الْعِلْمِ لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارُ وَأَثَر الْعِبَادَة ، فَالْمَسَاجِد لَهَا نَزِيهٌ لِتَلَقِّي الْعِلْم ، وَحُضُور الدُّرُوس فِيه ، لِأَنَّهَا مَأْوَى الْمَلَائِكَة ، وَمَهْبِط الرَّحْمَة ، وَمَوْطِن الْعِبَادَة ، وَهِيَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَأَحَبَّهَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، « يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ » يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ : يقرؤونه تعلمًا وَرِوَايَة وتحملاً عَن الْمُقْرِئِين الْمُتْقِنِين ، وَيَتَفَقَّهُون فِي مَعَانِيهِ ، فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إِنَّك تَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَتُجِيد التِّلَاوَة ، لَيْسَ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ ، هَذَا مَطْلُوبُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لِلْمَقْصُود وَهُو التقثه فِي مَعَانِيهِ ، وَمَعْرِفَة تَفْسِيرُ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ حِفْظُ الْحُرُوفِ ، وَحَفِظ الْمُتُون ، وَحَفِظ الْآيَات ، وَحَفِظ الْأَحَادِيث ، الْحِفْظ مَطْلُوبٌ وَهُوَ شَيْءٌ لاَبُدّ مِنْه ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ ، الْمَقْصُودُ مَعْرِفَةُ الْمَعَانِي وَالتَّفَقُّه فِيهَا ، وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ : مَا كُنَّا نتجاوز عَشْرُ آيَاتٍ حَتَّى نَتَعَلَّم معانيهن وَالْعَمَل بِهِنّ ، قَال : فتعلمنا الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ جميعًا ، ثُمّ أيضًا لَيْس الْفِقْهِ فَقَطْ بَلْ الْمَقْصُودُ هُوَ الْعَمَلُ ، هَذّ هُوَ الْمَقْصُودُ ، وَالْعَمَلُ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ عِلْمِ وَبِدُون فِقْه ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ » أَي يَتَفَقَّهُونَ فِي مَعَانِيهِ ، فَهُم يَحْفَظُون وَيَتَفَقَّهُون فِي مَعَانِيهِ ، فَالْعِلْم رِوَايَةً وَدِرَايَةً ، رِوَايَة : هِيَ حِفْظُ النُّصوصِ ، وَدِرَايَة : وَهِي فِقْه الْمَعَانِي ، وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الصَّحِيح ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مِثْلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ غَيْث أَصَاب أرضًا مِنْهَا طَوَائِف أمْسَكَتِ الْمَاءَ وَأنْبَتَت الْكَلَأ فَشَرِب النَّاس ورعوا ، وَأَصَاب طَائِفَةٌ أجادب . يعنب لَا يَكُونُ فِيهَا نَبَاتٌ وَلَكِنَّهَا أمْسَكَتِ الْمَاءَ لِلنَّاس . فارتووا وَشَرِبُوا ، وَأَصَاب طَائِفَةٌ إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كُلًّا » فَقَسَم النَّاسِ إلَى ثَلَاثِ طَوَائِفَ ، كَمَا أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي يُصِيبُهَا الْمَطَر تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لِأَنَّ مِثْلَ الْمَطَرِ ، الْمَطَر تُحْيِي بِهِ الْأَرْضُ ، وَالْعِلْم تُحْيِي بِهِ الْقُلُوبُ ، تُحْيِي بِهِ النُّفُوسُ ، فَهُو غَيْث مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
169/1