وَاَللَّه وَعَد الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تَرَكُوا أَوْطَانِهِم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَهُم بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ وَالثَّوَابِ الْجَزِيلُ وَجَعَلَ لَهُمْ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَلِهَذَا قَدَّمَ اللَّهُ الْمُهَاجِرِينَ فِي الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ عَلَى الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ ، لِأَنّ الْمُهَاجِرِين تَرَكُوا أَوْطَانِهِم وديارهم فراراً بِدِينِهِم وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وجهاداً فِي سَبِيلِهِ ، وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي شَأْنِ الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ بَلْ لِأَجْلِ دِينِهِم ، إذاً فَمَحَبَّة الوَطَن مَحَبَّة طَبِيعِيَّةٌ ، وَقَدْ تَكُونُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً ، إذَا كَانَ الوَطَن الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَلِهَذَا لَمَّا أَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَف وَالْتَفَتُّ إِلَى مَكَّةَ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَالَ : "والله إِنَّكِ لأَحَبُّ الْبِلَاد إلَيّ وَلَوْلَا أَنْ قَوْمَك أَخْرَجُونِي مِنْك مَا خرجت" ، فَمَحَبَّة مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ هَذِه مَحَبَّةً دِينِيَّةً فَوْق الْمَحَبَّة الطَّبِيعِيَّة ، أَمَّا بَقِيَّةُ الْأَوْطَان فمحبتها مَحَبَّة طَبِيعِيَّةٌ لَا يُلَامُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ إلَّا إذَا قَدِمَ مَحَبَّتِهَا عَلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وللوطن بَلَدِ الْإِسْلَامِ لَهَا حَقُّ عَلَى الْمَوَاطِن ، وَالسَّاكِن فِيهَا ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُدافِعَ عَنْهَا مِنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ ، فَإِذَا حوصرت الْبَلَد حاصرها الْعَدُوّ حَصْر الْبَلَد وَالْوَطَن مِنْ الْعَدُوِّ ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مِنْ يَسْتَطِيعُ الْجِهَاد وَالدِّفَاع أَنْ يُجَاهِدَ دفاعا عَنْ وَطَنِهِ وَعَن مَحَارِمِه وَعَن حُرُمَات الْمُسْلِمِين وَمُمْتَلَكَاتٌ الْمُسْلِمِين ، فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَسْتَطِيع الدّفَاعِ عَنْ بَلَدِهِ إذَا حوصرت وَهُوَ يَسْتَطِيعُ الدِّفَاعَ عَنْهَا وَلَا يَسْتَسْلِم وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمُدَافَعَة بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ .
140/1