فلم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر إلي، وابعث معه دليلا وزوده، وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فإنما تمسك ما استمسكت فبعث بأبي ذر ومعه دليل، فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع، قال: بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار.
ودخل على عثمان فقال: يا أبا ذر، ما لأهل الشام يشكون ذربك! فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا.
فقال: يا أبا ذر، علي أن أقضي ما علي، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد.
قال: فتأذن لي في الخروج، فان المدينة ليست لي بدار؟ فقال:
او تستبدل بها إلا شرا منها! قال: أمرني رسول الله ص أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا، قال: فانفذ لما أمرك به قال: فخرج حتى نزل الربذة، فخط بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين، وأرسل إليه: أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابيا، ففعل.
وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو ذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الأعرابية، وكان يحب الوحدة والخلوة فدخل على عثمان، وعنده كعب الأحبار، فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة ألا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان، ويصل القرابات فقال كعب: من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه فرفع أبو ذر محجنه فضربه فشجه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له، وقال: يا أبا ذر، اتق الله واكفف يدك ولسانك، وقد كان قال له: يا بن اليهودية، ما أنت وما هاهنا! والله لتسمعن مني أو لأدخل عليك.
وكتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن الأشعث بن سوار، عن محمد بن سيرين، قال: خرج أبو ذر إلى الربذة من قبل نفسه لما رأى