[الإسراء: 110]، وقال تعالى:
أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون
[الزخرف: 45] ولما تجرأ مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به، فلا يقال إلا (مسيلمة الكذاب) فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر والمدر.
وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن لأنه أكد به، والمؤكد لا يكون إلا أقوى من المؤكد، والجواب أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم ما ذكروه، فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد قيل: إنه لما تسمى غيره بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك، فإنه لا يوصف ب ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير عن عطاء ووجهه بذلك والله أعلم.
والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم (الله) و (الرحمن) و (الخالق) و (الرازق) ونحو ذلك، وأما (الرحيم) فإن الله وصف به غيره حيث قال في حق النبي:
بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]، كما وصف غيره ببعض أسمائه فقال في حق الإنسان:
فجعلناه سميعا بصيرا
[الإنسان: 2].
1.2
قال ابن جرير: معنى ﴿ الحمد لله ﴾ الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرا، و ﴿ الحمد لله ﴾ ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله، ثم قال: وأهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر.
قال ابن كثير: وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر، لأنه اشتهر عند كثير من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان، واللسان، والأركان كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
وقال الجوهري: الحمد نقيض الذم تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر، والشكر هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له وباللام أفصح، وأما المدح فهو أعم من الحمد لأنه يكون للحي، وللميت، وللجماد، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده على الصفات المتعدية واللازمة أيضا فهو أعم.
وفي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله "
، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ "
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم
" أن عبدا من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله - وهو أعلم بما قال عبده - ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: أكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها ".
والألف واللام في ﴿ الحمد ﴾ لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث:
" اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله "
الحديث.
﴿ رب العالمين ﴾ الرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى، ولا يستعمل الرب لغير الله إلا بالإضافة، تقول: رب الدار، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل.