، ثم قال تعالى: ﴿ إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضآرهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي إنما النجوى وهي المسارة حيث يتوهم مؤمن بها سوءا، ﴿ من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ﴾ يعني إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه ﴿ ليحزن الذين آمنوا ﴾ أي ليسوءهم وليس ذلك ﴿ بضآرهم شيئا إلا بإذن الله ﴾ ومن أحس من ذلك شيئا فليستعذ بالله وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله، وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذ على مؤمن، كما روى ابن مسعود، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه ".
58.11
يقول تعالى مؤدبا عباده المؤمنين، وآمرا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجلس: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم ﴾ ، وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما جاء في الحديث الصحيح:
" من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة "
، قال قتادة نزلت هذه الآية في مجالس الذكر،
" وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا ضنوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض، وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام، فلم يفسح لهم، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: " قم يا فلان وأنت يا فلان " فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قبل عدل على هؤلاء، إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم، فأقامهم، وأجلس من أبطأ عنه، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رحم الله رجلا يفسح لأخيه " ، فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعا فيفسح القوم لإخوانهم "
، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. وقد ورد عن ابن عمر
" أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: لا يقم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا "
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم "
وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث:
" قوموا إلى سيدكم "
، ومنهم من منع من ذلك محتجا بحديث:
" من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار "
، ومنهم من فصل فقال: يجوز عنه القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته كما دل عليه قصة سعد بن معاذ،
" فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكما في بني قريظة، فرآه مقبلا قال للمسلمين: " قوموا إلى سيدكم " "
وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم، فأما اتخاذه ديدنا فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا جاء لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك.
وفي الحديث المروي في السنن
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس؛ فكان الصحابة رضي الله عنهم يجلسون منه على مراتبهم، فالصديق رضي الله عنه يجلسه عن يمينه وعمر عن يساره، وبين يديه غالبا عثمان وعلي لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهما بذلك "