تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على عباده، وأما عند الصراط، فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نورا وكل منافق نورا، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: انظرونا نقتبس من نوركم، وقال المؤمنون: ربنا أتمم لنا نورنا فلا يذكر عند ذلك أحد أحدا ".

وقوله تعالى: ﴿ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ﴾ قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو الذي قال الله تعالى:

وبينهما حجاب

[الأعراف: 46]، وهكذا روي عن مجاهد وهو الصحيح ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ أي الجنة وما فيها ﴿ وظاهره من قبله العذاب ﴾ أي النار، والمراد بذلك سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب، وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وشك وحيرة، ﴿ ينادونهم ألم نكن معكم ﴾ أي ينادي المنافقون المؤمنين: أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات؟ ونصلي معكم الجماعات؟ ونقف معكم بعرفات؟ ونحضر معكم الغزوات؟ ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ قالوا: بلى، أي فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا ﴿ ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني ﴾ ، قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات ﴿ وتربصتم ﴾ أي أخرتم التوبة من وقت إلى وقت، وقال قتادة: ﴿ وتربصتم ﴾ بالحق وأهله، ﴿ وارتبتم ﴾ أي بالبعث بعد الموت، ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ أي قلتم: سيغفر لنا، وقبل غرتكم الدنيا ﴿ حتى جآء أمر الله ﴾ أي ما زلتم في هذا حتى جاءكم الموت، ﴿ وغركم بالله الغرور ﴾ أي الشيطان، وقال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار، ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: إنكم كنتم معنا أي بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراءون الناس ولا تذكرون الله إلا قليلا، وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر الله تعالى به عنهم حيث يقول:

كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * في جنات يتسآءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر

[المدثر: 38-42] فهذا إنما خرج منهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ، ثم قال تعالى: ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ﴾ أي لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه. وقوله تعالى: ﴿ مأواكم النار ﴾ أي هي مصيركم وإليها منقلبكم، وقوله تعالى: ﴿ هي مولاكم ﴾ أي هي أولى بكم من كل منزل، على كفركم وارتيابكم وبئس المصير.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٦٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٦٩٥