وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموت والأرض
[آل عمران: 133]، وقال تعالى:
سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض
[الحديد: 21]، فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: ﴿ أولئك المقربون * في جنات النعيم ﴾ ، وقال ابن أبي حاتم، قالت الملائكة: يا رب جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة، فقال لا أفعل، فراجعوا ثلاثا، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي، كمن قلت له كن فكان؛ ثم قرأ عبد الله: ﴿ والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم ﴾.
56.13-26
يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم ﴿ ثلة ﴾ أي جماعة من الأولين، وقليل من الآخرين: وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية، وبالآخرين هذه الأمة، وهو اختيار ابن جرير، واستأنس بقوله صلى الله عليه وسلم:
" نحن الآخرون السابقون يوم القيامة "
، ولم يحك غيره، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال:
" لما نزلت ﴿ ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿ ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني " "
وهذا الذي اختاره ابن جرير فيه نظر بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم والله أعلم، فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ ثلة من الأولين ﴾ أي من صدر هذه الأمة، ﴿ وقليل من الآخرين ﴾ أي من هذه الأمة، قال ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن بكر المزني: سمعت الحسن أتى على هذه الآية
والسابقون السابقون * أولئك المقربون
[الواقعة: 10-11] فقال: أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين. ثم قرأ الحسن: ﴿ والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم * ثلة من الأولين ﴾ قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة. وعن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية ﴿ ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين ﴾ قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة. ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم "
الحديث بتمامه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن عمار بن ياسر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره "
فهذا الحديث محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها، ولهذا قال عليه السلام:
" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة ".
وفي لفظ:
" حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك "
، والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، وفي لفظ: " مع كل ألف سبعون ألفا - وفي آخر - مع كل واحد سبعون ألفا "؛ وقد روى الحافظ الطبراني، عن أبي ملاك قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: