لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فكشف عن وجهه وقال رضي الله عنه: ليس كذلك، ولكن قولي: ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول:
" سبحان الله إن للموت لسكرات "
وفي قوله: ﴿ ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ قولان:
(أحدهما): أن (ما) ههنا موصولة أي الذي كنت منه تحيد بمعنى تبتعد وتفر، وقد حل بك ونزل بساحتك.
(والقول الثاني): أن (ما) نافية بمعنى: ذلك ما كنت تقدر على الفراق منه ولا الحيد عنه.
وقوله تبارك وتعالى: ﴿ ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ﴾ قد تقدم الكلام على حديث النفخ في الصور وذلك يوم القيامة، وفي الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له ". قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: " قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل " ، فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل "
﴿ وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد ﴾ أي ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله، هذا هو الظاهر من الآية الكريمة وهو اختيار ابن جرير، لما روي عن يحيى بن رافع قال: سمعت عثمان بن عفان رضي الله عنه يخطب فقرأ هذه الآية ﴿ وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد ﴾ فقال: سائق يسوقها إلى الله تعالى، وشاهد يشهد عليها بما عملت، وكذا قال مجاهد وقتادة، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وكذا قال الضحاك والسدي، وقال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد الإنسان نفسه يشهد على نفسه.
وبه قال الضحاك أيضا. وقوله تعالى: ﴿ لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد ﴾ قيل: إن المراد بذلك الكافر. وقيل: إن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر، لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام، وهذا اختيار ابن جرير، والظاهر من السياق أن الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد بقوله تعالى: ﴿ لقد كنت في غفلة من هذا ﴾ يعني من هذا اليوم، ﴿ فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد ﴾ أي قوي، لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصرا، حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، قال الله تعالى:
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا
[مريم: 38]، وقال عز وجل:
ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون
[السجدة: 12].