تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

40.21-22

يقول تعالى: ﴿ أولم يسيروا ﴾ هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ﴿ في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ﴾ أي من الأمم المكذبة بالأنبياء، ما حل بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة ﴿ وآثارا في الأرض ﴾ أي أثروا في الأرض من البنايات والمعالم ما لا يقدر هؤلاء عليه كما قال عز وجل،

وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها

[الروم: 9] مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، ﴿ فأخذهم الله بذنوبهم ﴾ وهي كفرهم برسلهم، ﴿ وما كان لهم من الله من واق ﴾ أي وما دفع عنهم عذاب الله أحد ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق، ثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال تعالى: ﴿ ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات، ﴿ فكفروا ﴾ أي مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا، ﴿ فأخذهم الله ﴾ تعالى أي أهلكهم ودمر عليهم، ﴿ إنه قوي شديد العقاب ﴾ أي ذو قوة عظيمة وبطش شديد، وهو ﴿ شديد العقاب ﴾ أي عقابه أليم شديد وجيع، أعاذنا الله تبارك وتعالى منه.

40.23-27

يقول تعالى مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشرا له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام، فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات ولهذا قال تعالى: ﴿ بآياتنا وسلطان مبين ﴾ والسلطان هو الحجة والبرهان، ﴿ إلى فرعون ﴾ وهو ملك القبط بالديار المصرية، ﴿ وهامان ﴾ وهو وزيره في مملكته ﴿ وقارون ﴾ وكان أكثر الناس في زمانه مالا وتجارة، ﴿ فقالوا ساحر كذاب ﴾ أي كذبوه وجعلوه ساحرا مجنونا، مموها كذابا في أن الله جل وعلا أرسله وهذه كقوله تعالى:

كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون

[الذاريات: 52]، ﴿ فلما جآءهم بالحق من عندنا ﴾ أي بالبرهان القاطع الدال على أن الله عز وجل أرسله إليهم، ﴿ قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه واستحيوا نسآءهم ﴾ ، وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فلإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام، ولهذا قالوا:

أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا

[الأعراف: 129]، قال الله عز وجل: ﴿ وما كيد الكافرين إلا في ضلال ﴾ أي وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال ﴿ وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه ﴾ ، وهذا عزم من فرعون - لعنه الله تعالى - على قتل موسى عليه الصلاة والسلام؛ أي قال لقومه دعوني حتى أقتل لكم هذا ﴿ وليدع ربه ﴾ أي لا أبالي منه، وهذا في غاية الجحد والعناد ﴿ إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ﴾ يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكرا، يعني واعظا، يشفق على الناس من موسى عليه السلام، ﴿ وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ أي لما بلغه قول فرعون ﴿ ذروني أقتل موسى ﴾ قال موسى عليه السلام: استجرت بالله، وعذت به من شره وشر أمثاله، ولهذا قال: ﴿ إني عذت بربي وربكم ﴾ أيها المخاطبون ﴿ من كل متكبر ﴾ أي عن الحق مجرم ﴿ لا يؤمن بيوم الحساب ﴾ ، ولهذا جاء في الحديث

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال: " اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم " ".

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٥٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٥٠٨