وليكن طبعك فيه، واحذر أن تستبطئه أو تسيء به ظنا، فإن لكل شيء سببا، ولكل سبب أجل، ولكل هم في الله ولله فرج عاجل أو آجل، ومن علم أنه بعين الله استحيا أن يراه الله يؤمل سواه، ومن أيقن ينظر الله أسقط الاختيار لنفسه في الأمور، ومن علم أن الله الضار النافع أسقط مخاوف المخلوقين عن قلبه، وراقب الله في قربه، وطلب الأشياء من معادنها، فاحذر أن تعلق قلبك بمخلوق خوفا أو رجاء، أو تفشي إلى أحد اليوم سرك، أو تشكو إليه بثك، أو تعتمد على إخائه، أو تستريح إليه استراحة يكون فيها موضع شكوى بث، فإن غنيهم فقير في غناه، وفقيرهم ذليل في فقره، وعالمهم جاهل في علمه، فاجر في فعله، إلا القليل ممن عصم الله.
قال أبو الحارث الأولاسي: قلت لإبراهيم بن سعد، ما كان مبتدأ أمرك؟ قال: كنت من الغلوية، وفي نخوتهم وتكبرهم، والتزين بالشرف والتعظيم به على الناس، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم، فقال لي: أنت شريف؟ فقلت: نعم يا رسول الله، أنا من أولادك؛ فقال: لم لا تتواضع في شرفك حتى تكون شريفا؟ فالشرف بالله يكون حقيقته الشرف والتواضع لعباده، وقضاء حوائجهم تكون المروءة، وصحبة الفقراء تزيل عنك هذا الكبر، وتدلك على منهاج الحق، وإياك والرذكون إلى الدنيا ومحبتها، وصحبة أهلها، وتشرف بالفقر تكن شريفا. قال: فانتبهت، وقد زال عني ما كنت أجده من التكبر ورؤية الشرف وأنفقت كل ما كنت أملكه، وصحبت الفقراء، وقصدتهم في أماكنهم، وتتبعتهم في كل أمورهم؛ فتلك رؤيا كانت سبب أمري. وقال: كان أحب شيء إلي لبس الثياب الفاخرة، فالآن إذا لبست ثوبا جديدا وقل ما ألبسه إلا وجدت نفسي ذلا إلى أن يتسخ أو يتخرق، كل هذا ببركة موعظة النبي صلى الله عليه وسلم.
إبراهيم بن سعيد أبو إسحاق الجوهري البغدادي
قدم دمشق وحدث ببغداد والمصيصة عن جماعة.