كما أن قول أصحاب المذكرة: «إن من اللازم أن يُناط سنُّ الزواج بسنِّ الرشد بالنسبة لكلٍّ من الزوجين» إلخ. قولٌ باطلٌ؛ لأنَّ ذلك يقتضي أن هناك شرعاً: سِنَّاً للزواج، وسِنَّاً للرُّشد، بل إنَّ الصبيَّ والصبية متى بلغا الحلم بأي أمارة من أمارات البلوغ، سواء كانت بأمارة السنّ أو بالأمارات الأخرى، التي تكون قبل السن إن كان رشيداً مهتدياً لضبط ماله؛ سُلِّم إليه ما له، وإن لم يكن كذلك بأن كان سفيهاً يُحجر عليه أو لا يُحجر على الخلاف السابق، وأما حدُّ البلوغ فلا فرق فيه بين الزواج وغيره.
وأما استدلال الأستاذ الخضري وأصحاب المذكرة لمذهب ابن شبرمة ومَن مَعَه بقوله: «لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يُتمَ بعد الحلم»؟ فهو استدلال لا يرضاه صاحب المذهب المذكور، فإن الحديث الأول يدلُّ بمنطوقه على أنَّ اليتيمة وهي التي لا أب لها لا تنكح حتى تستأمر، على معنى: حتى تبلغ وتستأذن، كما يقول ذلك الشافعي. أو أن المراد باليتيمة باعتبار ما كان، كما يقول ذلك أبو حنيفة، ويدلُّ بمفهوم المخالفة على أن الصغيرة التي لها أبٌ يُنكحها أبوها، كما أنَّ الحديث الثاني يدلُّ بمنطوقه على أنَّ اليتم ينتفي بعد الحلم ولو بالحيض أو بالاحتلام، ولو لم تبلغ البنت ست عشرة سنة ولا الابن ثماني عشرة سنة، وقد ذكر صاحب المبسوط هذين الحديثين، وجعلهما دليلين للإمام الشافعي > على مذهبه من أنه لا يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغير والصغيرة، وأمَّا الأب والجدُّ فلهما تزويجهما عملاً في ذلك بمنطوق الحديث ومفهومه المذكور.
فكيف يُمكن الاستدلال بهذين الحديثين لمذهب ابن شبرمة ومَن مَعَه وهم يمنعون تزويج الصغير والصغيرة مطلقاً؟ ولا أدري من أين نقلوا الاستدلال بهذين الحديثين لمذهب المانعين لتزويج الصغير والصغيرة؟.