الفصلُ الثاني
أدلة القائلين بجواز التقنين والجواب عنها
لقد ذكرَ الْمُجوِّزونَ عدداً من الْمُسوِّغات لتقنين الأحكام الشرعيَّة، وأهمُّها ما يأتي:
1 - أنه بتقنينِ الأحكام وإلزام القضاة بها تتحقَّقُ مصالِحٌ، وتندفعُ مفاسد؟ من أهمِّها: أنَّ بالتقنين تتحقَّق العدالة حيث تكون الأحكام الشرعيَّة مُحدَّدة مُبيَّنةً معروفةً للقاضي والمتقاضي.
والجوابُ: أنَّ رسالة محمد عامَّة، وهو خاتم النبيِّين، فشريعته باقية إلى قيام الساعة، فلا بُدَّ أن تكون شريعته صالحةٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، ولقد مَرَّتْ على الأمَّة الإسلامية عصورُ اتِّساعٍ كاتِّساعِ الدولةِ العباسيةِ في القاراتِ الثلاثِ، ومعَ ذلكَ تحقَّقتِ العدالةُ بتحكيمِ الشريعةِ، وانتشرَ اليُسْرُ، وارتفعَ الْحَرَجُ، ولْمَ يُعرَفْ - عَبْرَ التاريخِ عن واحدٍ من الأئمةِ الْمُعْتبَرِينَ - وجوبُ إلزامِ القُضاةِ في أحكامِهم بقولٍ واحدٍ، فضلاً عمَّا يدعو إليه بعض هؤلاءِ من تقنينِ الشّريعةِ (مع مُراعاة روح العصر) (1)؟! وعلى قولهم هذا ففي كلِّ عَصْرٍ تَقنينٌ جَديدٌ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.
2 - أنه بالتَّقنينِ يَعرِفُ الناسُ والتُّجَّارُ منْ خارج بلادنا بما سيحكمُ به القضاةُ؟.
والجوابُ: بأنَّ القوانينَ الوضعيةَ مدَّونةٌ، ولَهَا لوائحُ تفسيريةٌ، وَمَعَ ذلك يَجهَلُها السوادُ الأعظمُ من الناسِ، وإنما يعرِفُها القليلُ من المتخصِّصينَ بدراسة القوانين، ولَهذا كَثُرَتْ مكاتبُ الْمُحَاماةِ في الدولِ التي تَحكُمُ بالقوانينِ، والواقعُ خيرُ شاهدٍ.
(1) المدخل للفقه الإسلامي ص 111.