وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ}، وبالجملة فارتكاب مخالفة الحكم لا ينسخ الحكم.
ومن هذا تعلم: أنه لا معنى لقول أصحاب المذكرة: «اتفق العلماء على بطلان العقد إذا باشره غير مميز» إلخ. بل هو لغوٌ من القول وخروج عن الموضوع، ولا علاقة له به؛ لأن الكلام ليس في مباشرة غير المميِّز عقد الزواج، ولا في مباشرة المميِّز له، وإنما الكلام في مباشرة وليِّ الصغير والصغيرة تزويجهما حال الصغر بلا فرق بين مميِّز وغير مُميِّز.
كما أنه لا معنى لقول أصحاب المذكرة: «اتفقت كلمة الحنفية أنه بعد البلوغ لا جبر لأحد في عقد الزواج». فإنه خروجٌ عن الموضوع أيضاً؛ لأن الكلام ليس في الجبر وعدم الجبر، على أن قولهم فيها: «لأن البلوغ آية الرشد واستكمال العقل». يهدم جميع ما قصدوه من المقدِّمات التي ذكروها في المذكرة، ويُبطل ما يريدون ترويجه بناء عليها من جواز تحديد السن للزواج؛ وذلك لأنهم متى اعترفوا بأن البلوغ آية الرشد واستكمال العقل، وكان البلوغ بإجماع المسلمين كما يكون بالسن - على التفصيل الذي قدَّمناه عند عدم الحيض والاحتلام للصبية، وعدم الاحتلام للصبي - يكون بالحيض والاحتلام متى بلغت تسع سنين، والاحتلام للصبي إذا بلغ ثنتي عشرة سنة، ولو لم يبلغ كلٌّ منهما السن التي حدَّدوها لزواجه, فكان تحديد السن بما حدَّدوه للزواج مُخالفاً للكتاب والسنة والإجماع.
كما أن ما ذكروه بالمذكرة من اختلاف العلماء على فرض صحَّة الخلاف في جواز تزويج الصغير والصغيرة قبل البلوغ، لا ينبني عليه جواز تحديد السن التي حددوها للزواج؛ لأن الصغير أو الصغيرة إذا بلغا بغير السنّ، فقد بلغا الحلم، وملك تزويج نفسه، إن كان ذكراً، أو تزويجها وليها جبراً أو ندباً إن كانت أنثى بكراً أو ثيِّباً.