مِنْهُمْ رُشْدًا} في ضبط مصالحهم، فإنه إن لم يكن المراد ذلك تفكك النظم, ولم يبق للبعض تعلُّق بالبعض». انتهى.
إذا علمتَ هذا: تعلم أن الآية لا دلالة فيها على منع تزويج الصغير والصغيرة قبل البلوغ، حتى يُقال: لو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة، وما هو الشيء الذي لا تكون له فائدة في هذا الآية، إذا جاز التزويج قبل البلوغ؟ وقد علمتَ معناها الذي أطبقَ عليه المفسِّرون.
على أن هذا المذهب بعد كونه غير مُدوَّن، ولا أصحابٌ له يُعتمدُ عليهم في النقل مُصادمٌ لصريح قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ قال صاحب المبسوط: «بيَّن اللهُ تعالى عدَّة الصغيرة وسبب العدَّة شرعاً هو النكاح، وذلك دليلٌ على تصوُّر زواج الصغيرة».
ومُصادمٌ أيضاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فإنَّ هذا القول إنما يتحقَّق إذا كان زواج اليتيمة جائزاً.
وقد أخرج البخاري ومسلم و النسائي والبيهقي في سننه عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة < عن هذه الآية فقالت: «يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، يشركها في مالها، ويُعجبه مالها وجمالها، فيُريدُ أن يتزوَّجها من غير أن يُقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهوا أن ينكحوهنَّ إلاَّ أن يُقسطوا لهنَّ ويبلغوا بهنَّ أعلى سنتهن في الصداق، وأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنَّ».
فالمراد من اليتامى: المتزوَّج بهنَّ، والقرينة على ذلك الجواب، فإنه صريح فيه, والربط يقتضيه.
والمراد من النساء: غير اليتامى، كما صرَّحت به الحميراء < بدلالة المعنى عليه، وإشارة لفظ النساء إليه.