تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك أبرز عوامل الفساد في المجتمع الشرقي . وهي التي تنشيء مشكلة المرأة ، وتضعها في وضعها المشين . فأي تلك العوامل قد نشأ من الإسلام وأيها يتمشى مع روح الإسلام ؟

آلفقر ؟ !

أليس الإسلام هو الذي رفع المجتمع إلى الدرجة التي لا يوجد فيها فقير يطلب الزكاة أو يقبلها في عهد عمر بن عبد العزيز ؟ هذا هو الإسلام الذي طبق في واقع الأرض ، والذي نطلب تطبيقه اليوم . إنه النظام الذي يوزع المال توزيعاً عادلاً بين طوائف الأمة " كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم " ويقرب بين مستويات الناس لأنه يكره الترف ويحرمه ، ويكره الفقر ويعمل على إزالته .

والفقر هو العامل الأول في مشكلة المرأة الشرقية ، فإذا زال فقد انحلت العقدة الكبرى ووجدت المرأة كرامتها . وليس من الضروري أن تعمل المرأة لتكسب - وإن كان ذلك حقاً مباحاً لها - ولكن ارتفاع مستوى الثروة لمجموع الشعب يجعل نصيب المرأة من الميراث - وهو نصيب لا تعول منه أحداً إلا نفسها - كفيلاً باحترام الرجل لها ، ومشجعاً لها على التمسك بحقوقها التي تتخلى عنها خوفاً من مواجهة الفقر .

آلظلم السياسي الذي يكبت الرجل فينفس عن حقده الحبيس في المنزل ؟ !

وهل كان الإسلام إلا ثورة على الظلم ودعوة إلى مقاومة الظالمين ؟ أليس هو الذي وصل في تربيته للبشر حكاماً ومحكومين أن يقول عمر : " اسمعوا وأطيعوا " فيقول له رجل من المسلمين : لا سمع لك علينا ولا طاعة حتى تخبرنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به! فلا يغضب عمر ، بل يقر السائل على سؤاله ويشرح له حقيقة الأمر حتى يقتنع ويقول : " الآن مر ، نسمع ونطع " ! هذا هو الإسلام الذي عرفته الأرض مرة ، والذي نطلبه اليوم مرة أخرى . وحين يطبق لن يجد الناس الكبت الذي يقع عليهم من أعلى فيضطرهم إلى التنفيس المقلوب . وستكون معاملة الحاكم للمحكوم نبراساً يحتذيه كل شخص في معاملة كل شخص ، ويحتذيه الرجل في معاملته لزوجته وأطفاله بالعدل والحسنى ، والمودة والإخاء .

آلقيم الإنسانية الهابطة ؟ !

وهل جاء الإسلام إلا ليرفع الناس عن الهبوط ، ويضع لهم القيم الحقيقة التي يصبحون بها آدميين ؟ " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " لا أغناكم ولا أقواكم ولا أكثركم سلطاناً . وحين ترتفع القيم البشرية إلى هذا المستوى لا يكون هناك مجال لازدراء المرأة لضعفها ، بل يكون مقياس الإنسانية هو حسن معاملة الرجل للمرأة وهو المقياس الذي وضعه الرسول صراحة حين قال : " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " ( ) يقصد زوجته بتعبير العرب . وكان بهذه الكلمات ، صلى الله عليه وسلم ، عميق الإدراك لحقائق النفوس ، فما يعامل أحد إنساناً تحت كفالته بالسوء إلا وفي نفسه عقد واضطربات تهبط به في مقياس الآدميين .

آلهبوط إلى عالم الغرائز ؟ !

ومتى أباح الإسلام للناس أن يعيشوا على غرائزهم بغير تهذيب ؟ إنه يعترف بها اعترافاً صريحاً . نعم . ولكنه لا يسايرها في هبوطها ولا يقبل أن تستبد بالناس حتى تصبح هي الكوة التي ينظرون منها إلى الحياة .

وليس إلزامه للمرأة والرجل أن يقوم كل منهما بقضاء حاجة الآخر هبوطاً بالإنسان إلى مستوى الغريزة . وإنما يقصد الإسلام من ذلك إلى إطلاق الناس من ضروراتهم ، فلا تشغل هذه الضرورات بالهم وأعصابهم ، فتمنعهم من توجيه طاقتهم إلى ميادين الإنتاج العليا ، سواء في عمل أو فن أو عبادة ، أو تلجئهم إلى الجريمة حين يتعذر إشباعها بالطريق المشروع . ولكنه لم يدع الناس قط إلى أن تستغرقهم شهواتهم ويشغلهم الاستمتاع بها عن الحياة الإنسانية الرفيعة ، فشغل الرجل بالجهاد في سبيل الله ، جهاداً دائماً لا ينقطع ، وشغل المرأة بالجهاد في تربية أطفالها ورعاية منزلها ، حتى تصبح لكليهما أهداف لا تقف عند حدود الضرورات والشهوات .

أم سوء التربية ؟ !

لعل أحداً لا يجرؤ أن يقول ذلك عن الإسلام ، والقرآن كله والأحاديث كلها دعوة لتهذيب النفوس وتربيتها على ضبط النفس والتزام العدل واحترام الآخرين وحبّهم كما يحب الإنسان نفسه .

أما التقاليد التي يزعم كتاب اليوم أنها هي التي تؤخر المرأة وتغلفها بغلاف الحيوانية والجمود وضيق الأفق والجهالة فما هي في حقيقتها ؟

التقاليد التي لا تمنع العلم ، ولا تمنع العمل ، ولا تمنع التعامل النظيف مع المجتمع ما عيبها وما الضرر منها ؟ ( )

إنها تمنع التبذل الخلقي والرقاعة والتفاهة والخروج إلى الشارع لنشر الفتنة والانحلال . فهل بهذه الوسائل وحدها تتقدم المرأة وتنال كرامتها ؟

من ذا الذي يقول إن الطريق الوحيد لصقل شخصية المرأة وتزويدها بالخبرة والتجربة هو أن تخرج إلى مهاوي الفتنة ، فتبذل نفسها لأحد الشبان ثم تكتشف بعد أن تبذل نفسها ، أنه شاب وضيع لا يريدها إلا للمتاع الجسدي ، ولا يحترم كيانها كامرأة ، فتنصرف عنه إلى شاب جديد . كما تصنع فتيات الغرب المتحضرات المصقولات ؟ !

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٩٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٩٤٥