تستطيع المحاضن أن تمد الطفل بكل رعاية جسدية ، وبكل توجيه عقلي ونفسي علمي ، ولكنها لا تستطيع أن تمده بالعنصر الواحد الذي لا تقوم الحياة بدونه ولا تستقيم بغيره الأوضاع . ذلك هو الحب . رعاية الأم . والأم بالذات دون غيرها من النساء .
وليس في طوق المدينة المجنونة أو الشيوعية الحمقاء أن تغير طبائع البشر . فالطفل يحتاج إلى أم كاملة لا يشركه فيها أحد - في السنتين الأوليين على الأقل - ولو كان أخاه الشقيق . أمٌّ يشغلها تشغيلاً كاملاً في إجابة مطالبه ، ومناغاته ، وإحاطته بالرعاية والأمن في حضنها وبين ذراعيها ، وبغير ذلك تملأ نفسه العقد والاضطرابات . فأين له الأم في المحضن ، وعشرة أطفال أو عشرون يشتركون في " أم " صناعية واحدة ، يتصارعون فيما بينهم على تملكها ، فينشأون وقد غلبت على عواطفهم شهوة الصراع ، وتتحجر قلوبهم فلا تنبت فيها المودة والإخاء .. ؟
المحاضن للأطفال - كالعمل للمرأة - ضرورة تقضي بها الحاجة . أما أن تكون هي الأصل بغير ضرورة ملجئة فهو جنون لا يلجأ إليه العقلاء .
وأي جدوى للبشرية من أن تزيد إنتاجها المادي وهي تعرض الإنتاج البشري للتلف والبوار ؟
وقد يكون للغرب المجنون عذره من ظروفه التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية . أما نحن في منطقة الشرق الإسلامي فما عذرنا ؟ هل استنفدنا كل الأيدي العاملة من الرجال فوجدنا العمل ما زال في حاجة إلى مزيد ؟ هل نكل الرجل المسلم ، أباً كان أو أخاً أو زوجاً أو قريباً ، عن إعالة المرأة وتركها تعمل لكي تعيش ؟
يقولون إن العمل يعطي المرأة كياناً اقتصادياً مستقلاً فتحصل على كرامتها . فهل الإسلام حرم المرأة من الكيان الاقتصادي المستقل ؟ إن المشكلة في الشرق الإسلامي ليست مشكلة النظام ، وإنما هي مشكلة الفقر الشامل الذي لا يجعل للمرأة – ولا للرجل - موارد كريمة للعيش . وعلاج ذلك زيادة طاقة الإنتاج حتى يغني الشعب كله برجاله ونسائه ، فلا يكون فيه فقراء ، وليس علاجه أن تزاحم المرأة الرجل على وسائل الحياة !
ويقولون إن اشتراك إيرادين في إقامة أسرة أكفل لها من إيراد واحد .
وقد يكون هذا حقاً في أحوال فردية . ولكن إذا كانت كل امرأة تعمل في غير الوظائف النسوية تعطل رجلاً عن العمل ، فتعطل إقامة أسرة جديدة ، وتزيد من فترة التعطل الجنسي الذي يؤدي إلى الجريمة ، فأي عقل اقتصادي أو اجتماعي أو خلقي يؤيد هذا الاضطرابات ؟
لقد كان الإسلام يلحظ الفطرة البشرية وحاجات المجتمع معاً ، حين خصص المرأة لوظيفتها الأولى التي خلقت من أجلها ، ووهبت العبقرية فيها ، وجعل كفالتها واجباً على الرجل لا يملك النكول عنه ، ليفرغ بالها من القلق على العيش ، وتتجه بكل جهدها وطاقتها لرعاية الإنتاج البشري الثمين . كما أحاطها - في هذه الوظيفة - بالرعاية الكاملة والاحترام الشامل ، حتى إن أحد الناس ليسأل الرسول صلى الله عليه وسلم : من أولى الناس بحسن صحابتي ؟ فيقول : " أُمك " قال : ثم من ؟ قال : " ثم أُمك " قال : ثم من ؟ قال : " ثم أُمك " قال : ثم من ؟ قال : " ثم أبوك " ( )
وبعد فأين هي " القضية " التي تشتغل بها المرأة المسلمة ؟ وأي هدف بقي لها في الحياة لم يحققه الإسلام ، لتسعى إلى استخلاصه عن طريق حق الانتخاب وحق التمثيل في البرلمان؟
تريد المساواة الإنسانية مع الرجل ؟ نعم . ويعطيها الإسلام هذه المساواة نظرياً وعملياً أمام القانون .
تريد الاستقلال الاقتصادي وحرية التعامل المباشر مع المجتمع ؟ نعم ، وكان الإسلام أول من قرر لها هذه الحقوق .
تريد حق العليم ؟ نعم ، وقد منحها الإسلام هذا الحق ، بل جعله فريضة عليها .
تريد ألا تتزوج بغير إذنها بل أن تخطب لنفسها ؟
وأن تعامل معاملة كريمة ما دامت تقوم بدورها الزوجي كما ينبغي ؟
وأن يكون لها حق الانفصال حين لا تجد المعاملة بالمعروف ؟
نعم .. ويعطيها الإسلام كل ذلك حقاً مفروضاً على الرجال .
تريد حق العمل ؟ نعم ، ولها ذلك في الإسلام .
أم تريد حرية التهتك والابتذال ؟ تلك هي الحرية الوحيدة التي حرمها إياها الإسلام ، ولكنه كذلك حرم الرجل منها على قدم المساواة . وحتى تقرير هذه الحرية لا يحتاج إلى دخول البرلمان ، وإنما يحتاج فقط إلى حل روابط المجتمع وتقاليده ، وحينئذ يتبذل من يريد ويطلق له العنان !
إن دخول البرلمان ليس هدفاً في ذاته كما يفهم المغفلون ، وكما تفهم الشاردات الفارغات من نساء المؤتمرات . ولكنه وسيلة لهدف آخر . فإذا تحققت الأهداف فما الحاجة إلى هذه الوسيلة إلا التقليد الأعمى للغرب المفتون ، وظروفنا غير ظروفه ، وقيم الحياة في نظرنا غيرها هناك ؟
* * *
ولكن قوماً سيقولون : ما لنا وما للظروف المختلفة والقيم المتباينة ؟ إن وضع المرأة في الشرق وضع سيّىء لا يمكن السكوت عليه . وقد تحررت المرأة في الغرب ونالت مكانتها ، فعلى المرأة الشرقية أن تسلك سبيلها وتقلدها للحصول على حقوقها المسلوبة .