لقد كان الإسلام صريحاً مع نفسه ومع الناس ، فقال : هذا رق . وهؤلاء جوار . وحدود معملتهن هي كذا وكذا . ولكن الحضارة المزيفة لا تجد في نفسها هذه الصراحة ، فهي لا تسمي البغاء رقا ، وإنما تقول عنه إنه " ضرورة اجتماعية " !
ولماذا هو ضرورة ؟
لأن الرجل الأوربي المتحضر لا يريد أن يعول أحداً : لا زوجة ولا أولاداً . يريد أن يستمتع دون أن يحتمل تبعة . يريد جسد امرأة يفرغ فيه شحنة الجنس . ولا يعنيه من تكون هذه المرأة ، ولا تعنيه مشاعرها نحوه ولا مشاعره نحوها . فهو جسد ينزو كالبهيمة ، وهي جسد يتلقى هذه النزوة بلا اختيار ، ويتلقاها لا من واحد بعينه ، ولكن من أي عابر سبيل .
هذه هي " الضرورة " الاجتماعية التي تبيح استرقاق النساء في الغرب في العصر الحديث . وما هي بضرورة لو ارتفع الرجل الأوربي إلى مستوى " الإنسانية " ولم يجعل لأنانيته كل هذا السلطان عليه .
والدول التي ألغت البغاء في الغرب المتحضر لم تلغه لأن كرامتها أوجعتها ، أو لأن مستواها الخلقي والنفسي والروحي قد ارتفع عن الجريمة . كلا ! ولكن لأن الهاويات قد أغنين عن المحترفات . ولم تعد الدولة في حاجة إلى التدخل !
وبعد ذلك يجد الغرب من التبجح ما يعيب به نظام الجواري في الإسلام ، ذلك النظام الذي كان قبل ألف وثلثمائة عام – وعلى أنه نظام غير مطلوب له الدوام – أكرم بكثير وأنظف بكثير من النظام الذي يقوم اليوم في القرن العشرين ، وتعتبره المدنية نظاماً طبيعيا ً، لا يستنكره أحد ، ولا يسعى في تغييره أحد ، ولا يمانع أحد في أن يظل باقياً إلى نهاية الحياة!
ولا يقل قائل إن هؤلاء " الهاويات " يتطوعن دون إكراه من أحد وهن مالكات لحريتهن الكاملة . فالعبرة بالنظام الذي يدفع الناس بأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية إلى قبول الرق أو الوقوع فيه . ولا شك أن " الحضارة " الأوربية هي التي تدفع إلى البغاء وتقره ، سواء كان البغاء الرسمي أو بغاء المتطوعات الهاويات !
تلك قصة الرق في أوربا حتى القرن العشرين : رق الرجال والنساء والأمم والأجناس. رق متعدد المنابع متجدد الموارد ، في غير ضرورة ملجئة ، اللهم إلا خسة الغرب وهبوطه عن المستوى اللائق لبني الإنسان .
ودع عنك استرقاق الدولة الشيوعية لأفراد شعبها حتى لا يملك أحدهم حرية اختيار العمل الذي يريده ، ولا المكان الذي يعمل فيه ، واسترقاق أصحاب رؤوس الأموال للعمال في الغرب الرأسمالي حتى لا يملك أحدهم سوى اختيار السيد الذي يستعبده .
دع عنك هذا وذاك ، فقد تجد المجادلين عنه والمنافحين . ويكفي ما سردناه من ألوان الرق الصارخة الصريحة ، التي تتم باسم المدنية وباسم التقدم الاجتماعي ! ثم انظر هل تقدمت البشرية في أربعة عشر قرناً ، بعيداً عن وحي الإسلام ، أم إنها ظلت تنحدر وتتأخر ، حتى لتحتاج اليوم إلى قبس من هدي الإسلام ، يخرجها مما هي فيه من الظلام ؟ !
الإسلام … والإقطاع
سمعت أخيراً ( ) أن طالباً قدم للجامعة بحثاً يثبت فيه أن الإسلام نظام إقطاعي ، وأنه نال على هذا البحث درجة الماجستير ! وعجبت للطالب والأساتذة في آن واحد . وقد يكون الطالب جاهلاً ، أو قد يكون سيِّء النية . أما الأساتذة العظام الأجلاء فما بالهم ؟ وكيف ينحدرون إلى هذا المستوى في فهم النظم الاجتماعية والاقتصادية ، وفهم وقائع التاريخ ؟
ولكن العجب زال حين تذكرت من هم أولئك الأساتذة الأجلاء . أليس هؤلاء من الجيل الذي صنعه الاحتلال على عينه ، ليفسدوا مَنْ بعدهم من الأجيال ؟ أليسوا هم الذين عنى بهم دنلوب عناية خاصة ، فحرص على إرسالهم إلى أوربا ليزدادوا " علماً " أو ليزدادوا في الحقيقة بعداً عن مقوماتهم الحقيقية ، ونفوراً من دينهم وتقاليدهم ، واحتقاراً لذواتهم وتاريخهم وعقائدهم ؟
بلى ، إنهم أولئك . فلا عجب ولا استغراب !
ما هو الإقطاع أيها السادة الأجلاء ، وما هي مقوماته ؟
ننقل هنا وصفاً له ، كتبه الدكتور راشد البراوي في كتابه " النظام الاشتراكي " منقولاً بطبيعة الحال عن المصادر الأوربية :